وكيل النيابة والكاتب المستنير قاسم بك أمين – وهو أحد رواد التنوير في مصر، كان ومنذ أكثر من مائة عام، كتب كلماته الذهبية الخالدة في كتابه “كلمات” ومنها: “الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر كل مذهب وترويج كل فكر، في البلاد الحرة قد يجاهر الإنسان بأن لا وطن له، ويطعن علي شرائح قومه وآدابهم وعاداتهم ويهزأ بالمبادئ التي تقوم عليها حياتهم العائلية والاجتماعية، يقول ويكتب ما شاء الله في ذلك ولا يفكر أحد – ولو كان من الد خصومه في الرأي – أن ينقص شيئا من احترامه لشخصه، متي كان قوله صادرا عن نية حسنة واعتقاد صحيح، كم من الزمن يمر علي مصر قبل أن تبلغ هذه الدرجة من الحرية؟”

نعم، هذا ما كتبه ذلك العظيم وهو يريد لمصر أن تتحرر ويعلم ثمن الحرية ومخاطرها في خضم الجهل، ولكن الاعتقاد السوي أن الحرية بإمكانها تصحيح مسار التعليم والوعي كما باقي المسارات وذلك علي النقيض من غيابها، بل ولك أن تعلم ما قاساه قاسم آمين حينها وزوجته شخصيًا، حينما كانت دعوته لتعليم المرأة وحقها في العمل والميراث، أما الأكثر بشاعة فما هو الذي يدور في مخيلتك لو جاء قاسم أمين بعد أكثر من مائة عام من رحيله ليشاهد نتائج معاركه في سبيل الحرية، بل وماذا كان سيكون غضب الأجيال الأخري التي جاءت بعده بسنوات طويلة وفي ذلك طه حسين مثلاً، بل وأدعوك معي أن يشرد ذهنك للحظات وتتخيل أن هؤلاء ليسوا مشاهير ويعيشوا بيننا الآن وكتبوا ينتقدون رأي أصحاب القوة أو الوزير فلان، ألن يتم التشهير بهم أو تتم محاكمتهم أو إتهامهم بالخيانة العظمي أو الجنون ومن ثم إخراس ألسنتهم وللأبد، من أجل فائدة البعض علي حساب فائدة الوطن.

نعم، إن الحقيقة في طبيعتها مرة، والمرار هو الدواء اللازم للعلاج، وفي أبسط أنواع المرارة أن نعترف بأن لدينا حرية، ولكنها حرية هنا وليست هنالك، حرية وفق ضوابط معينة، حرية لأصحاب القوة وفي ذلك اعتداء هيئة قضايا الدولة علي نادي الثقافة الجماهيرية بأسيوط، وتحطيم لافتة النادي ووضع لافتاتهم الشخصية، حرية لمن يؤيد الاتجاه السائد وله الحق حينها أن يسب أو يتظاهر دون أن يعترضه أحد، بل وله الحرية الكاملة في أن يكتب ما يشاء ويهجم علي الطرف الآخر وينال منه كيفما يشاء، حرية ممنوحة لمن يريد أن يطبق الوساطة والتمييز بسلطانه وكيفما يشاء، ولكن ليست حرية الرأي والتعبير لأنها ضد كل ما سبق، ولهذا ناضل في سبيلها المفكرون وهم يدركون أن بها كشف مواطن الضعف وفضح الخلل وإزالة الظلم وإقرار العدل ودعم السلام والمحبة والتعايش بل وحياة الوطن ونهضته ودونها الهزيمة أو النكسة.

وأخيرًا، ورغم كوني لست عضوًا بنقابة الصحفيين ولست عضوًا لأي إنتماء سياسي، ولكنني أقولها واضحة : يا أيها الشامتون في نقابة الصحفيين، كما في غيرها، إن ما يحدث لا يخص فئة الصحافة، ولكنه يخص معني الحرية وحمايتها.