وماذا فعلت بأولئك الذين خيّبوا ظنّك؟! لا شيء، اعتبرتهم وكأنهم لم يكونوا ومضيت، وها هي الأيام جمعتنا مجددا بعدما فرقت بيننا ظروف الدراسة والتحاق كل منا بكلية مختلفة، وفي المواصلات تلاقينا، لم أنسى صاحبة الوجه المبتسم الهادئة زميلة الدراسة، لمحتها من بعيد تنظر إلي وتبتسم وارتمت في حضني، لم أتذكر اسمها ولكن مواقفها محفورة بداخلي، قالت عبارة لطالما كانت تقولها لي مثلما كانت: النظرة إليك شفاء، الأمل يشع من وجهك.

حينها تذكرت اسمها وكررته ضحكت كثيراً، وقالت لم تتغيري كثيراً إلا أنك لست على ما يرام، قبل معرفة ما بك سأسرد لك حكايتي مثلما كنت أفعل وترشديني إلى الصواب، فأنا لم أعد أثق بأحد بعد اليوم.

حكايتي تبدأ بفسخ خطبتي لعدم رغبتي في العيش في القرية وتصميمي على العيش في المدينة، بعدها بأيام قليلة تقدم لخطبتي شخص وسيم ومتعلم ويعيش في قاهرة المعز وهذه المواصفات التي تمنيتها ولوجود صلة قرابة بيننا وافق الأهل دون التمهل في السؤال عن الخاطب وأهله، حينها شعرت بأن الحياة فتحت لي ذراعيها من السعادة والفرح.

وجاءت ترتيبات الفرح بعد الخطبة بثلاثة شهور، كنا نتحدث دقائق معدودة، فلم أستطع معرفته جيداً، وحينما كنت أسأله عن الشقة والتجهيزات كان يصفها بالجمال الذي أحلم به وكأنه قارئا لأفكاري مما يطمئن قلبي، انتقلنا من بلدتنا قبل موعد العرس بثلاثة أيام، وبعد وصولي الشقة وجدتها خلاف ما كنا متفقين عليه في المساحة وألوانها وتصميمها حزنت كثيرا من كذبه علي، لكرهي للكذب، ولكن ما باليد حيلة مراعاة لشعور أهلي الذين تحملوا مشقة السفر لنقل جهاز ابنتهم العروس، فلم أظهر أي تعبيرات على وجهي.

بدأ الأهل في فرش الشقة، ومن هنا بدأت الأصوات تعلو بين أهل العروسين علي أتفه الأمور، أقسم والدي بعدم حضور الفرح وترك الشقة وذهب عند أحد أقاربه، صممت على عدم التوقيع بدون وجود والدي، توسط كبار العائلة وجاء والدي، ووقعت بدمعة حزن من عيناي فوق اسمى.

جاء اليوم التالي، يوم العرس، طرق والد العريس البيت وقال: أهلك متي يتركوننا. لم أصدق ما سمعته، فقلت له: ماذا تقول يا عمي، قال: نريد توفير مكان لضيوفنا وهم سلموكي، ما شأنهم وما سبب وجودهم، لم استوعب كلامه، فضحكت، وقلت يا عمي العرس اليوم، فرد قائلاً وبدونهم لن ينقص العرس، ردوده استفزتنا كثيرا، قلت له حضرتك بتهزر يا عمي، قال: لا أنا أتكلم بالحقيقة، وبردوده، سرق فرحتي كعروسة بكسرة وذل ووجع قلب.

وعند خروجه من الغرفة قال: وبالمناسبة لو أهلك صمموا على حضور الفرح يأتوا بعربية تحملهم أنا لا يهمني إلا ضيوفي، سلم والدي أمره لله وذهب العرس.

وما وجدته في زوجي من عدم تحمل المسؤولية، ولا يستطيع أن يقول غير نعم لكل أوامر والدته مهما كانت صائبة، لم يتزوجني لاقتناعه بشخصيتي وحبا لي، ولكن طمعا في زيارات أهل الصعيد، وخدمة أهله، رغم أن له 3 شقيقات، إلا أنهم لا يفعلوا شيء في المنزل غير الخروج ومشاهدة التلفزيون.

كانوا يطلبون البط والحمام والفراخ والسمن باستمرار وكنت ألبي لهم طلباتهم، غير أن “حماتي” طلبت مني خدمتها حيث كانت تسكن معنا في نفس العمارة، حينها رفضت لوجود من يخدمها، وإن لم يكن لديها بنات كان الوضع اختلف تماما.

كانت تكلمني بطريقة غير لائقة لذلك أغلقت شقتي وبكيت على وضعي، وظننت أنها ستشعر بخطئها وتصالحني إلا أنها جاءت هي وزوجها وبناتها الثلاث وضربوني ضربا مبرحا لم يخلصني من تحت أيديهم إلا ابنهم، وقتها لم أستوعب ما يحدث، خرجت بلا غطاء رأس، أجري في البلدة التي لم أعرف فيها غير زوجي وأهله الذين أهانوني.

استنجدت بالجيران في غطاء لرأسي، وسألت أحد المارة على مكان محطة القطار، وهناك قدر لي الله بمصادفة قريب دفع لي الأجرة واشتري لي بعض الطعام واتصل بأهلي وأخبرهم بما حدث وانتظروني.

لم أنسى حالة والدي وعيونهم التي ملأتها الدموع، أخذت شهر في غيبوبة وعدم الرغبة في الحياة، اعتنى أهلي بي كثيرا حتى استرددت صحتي، وصممت على رد كرامتي وكرامة أهلي بالطلاق وعدم التنازل عن كافة مستحقاتي.