وجدتها مكلومة، تكاد تأخذ أنفاسها بصعوبة، وعثاء السفر أثقلتها بالهموم، وعلامات المشقة بادية عليها لا ريب، ما كادت أن تلقي بجسدها على الكرسي المجاور لي، حتى هدأت نفسها، وأخذت تدعو لي بالستر.

دعوات السيدة المسنة وقرت في قلبي وقر الشقي التائب، واستقبلت كلماتها بنفس هانئة محبورة، كأنها أعطتني شيئًا أرغب فيه، وأتمناه في كل لحظة من حياتي.. “الستر”.

الستر هو ما قادني أنا وصديقي “أحمد دريم” إلي ركوب القطار من محطة رمسيس متوجهين إلي أسيوط، هناك نزل هو، واستكملت أنا طريقي إلي مدينة طما، وفور نزوله من القطار، رن عليّ، وقال لي: هناك سيدة كبيرة في السن ستجلس مكاني حتى قنا.

كنا قد حجزنا تذكرتين من محطة رمسيس، ولم نجد مقاعد إلي أسيوط، فاضطررنا للحجز حتى قنا، بينما السيدة المُسنة كانت في طريقها للأقصر، بعدما عادت من زيارة لابنتها، المصاب نجلها في حادث بمدينة طنطا، وشاءت الأقدار أن تنزل بأسيوط في نهاية رحلة القطار، وهناك التقت صديقي، الذي أعطاها تذكرته، رأفة بحالها.

“أم سنبل” سيدة ستينية، تجاعيد وجهها، وحشمتها، وملابسها السوداء، أشياء تدل على فقرها، وضحالة معيشتها، تجاذبت معها طرف الحديث لدقائق، أخبرتني وقتها بأن لها ولدان وبنت، اجتهدت حتى كبّرتهم، بعد وفاة أبيهم، وهم في سن صغيرة.

وجهت بصري نحو السيدة العجوز، فشعرت أن ملامح وجهها ترسم صورة واقعية لمعيشتها الصعبة، وصوتها يدلل على قلة حيلتها، وهوانها على الحياة، التي أبّت أن توفر لها معيشة كريمة، ليس هذا فقط، وإنما شاءت الأقدار أن يتوفى ابنها الكبير المرحوم “سنبل”، في مشاجرة وقعت بين عائلتين بالأقصر، بعد أن باغتته رصاصة طائشة أودت بحياته وهو في الخامسة والعشرين من عمره.

تتذكر الأم المكلومة مشهد وفاة ابنها قائلة: جات طلقة في رقبته ومات علطول، وساب لي ولد وبنت، أمهم رفضت تسيب البيت، وتتجوز بعده، وتكفلت أنا وهي وعمهم بتربيتهم.

تستدرك أم سنبل قائلة: الحياة يا ابني صعبة، وأنا ربيت عيالي لغاية لما كبروا، وفرحت بيهم، لكن ربنا شاء إنه ياخد واحد منهم.. الحمد لله.

لسان حال السيدة كان ينطق بالصبر على المصيبة التي ألمت بها، ولم تكن تشكو حالها، وإنما كانت تفضفض معي، بعد أن استأمنتني على أمرها، بادرتها بسؤال حول وضعها المادي، فقالت: مستورة والحمد لله.. أنا ببيع عيش ناشف، وأحصل على بضع جنيهات يوميًا، ومرات ابني بتاخد معاش 3.5 ففهمت في الأول ثلاثة آلاف ونصف ألف جنيه، ولكني استدركت مستفهمًا يعني 350 جنيهًا يا حجة؟، فأومأت برأسها إيجابًا، وقالت: ابني كمان بيشتغل في قهوة وبياخد 40 جنيه في اليوم، وكل يوم بيدني 5 جنيه عشان يساعد بيهم في تربية ولاد أخوه، والباقي يدوب بيصرفه على بيته، وياريت بيكفوه.

“أم سنبل” هذه السيدة البسيطة، حنت عليّ بدعوات، لو وزنتها بثقلها ذهبًا ما كفيتها جزاء ما صنعت بي، وبالفعل حاولت مساعدتها قدر استطاعتي، وطلبت من الكمسري أن يحجز لها تذكرة أخرى لتكمل طريقها للأقصر، ولكنه أبىّ ذلك، وقال لي: هتكمل معانا في القطر لغاية لما تنزل في المحطة، ولن نأخذ منها شيئًا، فشعرت وقتها بأن الدنيا ما زالت بخير.

مر الكُمسري، وبعدها بدقائق، طلبت منها الاستئذان لأن محطتي أوشكت على الاقتراب، وسلّمت عليها بحرارة، وربّت علي يدها بقوة، فأبت أن أغادر دون أن تكيل لي وصديقي الدعوات بالستر ووقوف أبناء الحلال في طريقنا.

“أم سنبل” واحدة من مئات السيدات بل إن شئت قل إنها من عشرات الآلاف من السيدات، اللاتي يستحققن التكريم، والنظر إليهن بعين العطف والرحمة، فأني لهذه السيدة المسكينة أن تعيش ببضع مئات من الجنيهات؟، وغيرها يحصل على عشرات ومئات الآلاف من الجنيهات، وغير قانع بحياته، ويسرق ويرتشي، ولا يملأ عينه سوى التراب.. فأين العدالة في ذلك؟

أعلم أن سؤالي هذا بدون إجابة، لأن العدل غاب، والعدالة غُيبت، والأغنياء متخّمون، والفقراء جائعون، فلا لوم اليوم  عليكم أو عتاب.