يدور في ذهني كثيرا سؤال: هل كنا خلال عشرات السنين الماضية نحتاج حقا خروج توجهات فكرية متعارضة ورايات جماعية متفرقة وانقسامات داخل وحدتنا الوطنية والقومية المستنزفة تحت مسميات ودعوات مختلفة؟ فخرجت لنا عشرات الجماعات والتنظيمات بقائدها وملهمها ومرجعيتها وأهدافها، كل فرقة وكل جماعة وكل حزب يدعي الفضيلة والكمال، ويتهم سواه بالنقصان والضلال، منهم من تطرف وتشدد، ومن كفّر وقتّل، ومن تشبث بالقشور دون الجوهر وبالفروع دون الأصول، وتمسك بالتعسير دون التيسير، وربما تبنوا رأيا أو توجها شاذا أو منكرا، وأنكروا أراءً أخرى عليها إجماع وقبول أو مناسبة لطبيعة العصر وفقه الواقع.

هل كنا فعلا نحتاج أولئك المجددين والمصلحين والهادين المهديين – كما يدعى كل منهم أو يزعم أتباعه؟ هل كانت الأمة العربية وعلى رأسها مصر في حاجة إلى كل تلك الانقسامات والصراعات؟

واقع الحال والآثار الحالية من خروج تلك التنظيمات والجماعات المتطرفة والرايات الإرهابية المتعددة خلال تلك العقود الماضية بصورها وأقنعتها المختلفة يظهر عيانا في صراعات واقتتالات داخلية وربما حروب أهلية في بلدان متعددة؛ مما أدى إلى تمزق الجسد الواحد والتصدع الداخلي وربما تهدم البنيان المتين الموروث رغم تصديه وصلابته طوال قرون ماضية أمام محاولات الأعداء الحقيقين وتربصاتهم ومكائدهم المتعددة والمتلاحقة، كما أدى إهدار طاقات وقدرات بشرية وضياعها خلف تلك الزعامات والرايات والتنظيمات الهالكة المهلكة خلال عزمها وصراعها على التفرد بالسلطة والسيادة؛ فكم من عقول فذة وماهرة تحجرت وتكبلت بأفكار وتوجهات ومسالك ضالة غير مسئولة أو واعية، وكم من ثروات ومصادر طبيعية يحسدنا العالم عليها ضاعت وتضيع، وكم من إمكانيات هائلة في كل مجال ومكان تُستنزف بلا جدوى، وتُهدر في تدمير وإهلاك الأفراد والأوطان، وتُنفق في القضاء على وإنهاك الآخر المخالف أو المعارض لذلك التطرف، وكم من جيوش تفككت، وملايين قٌتلت أو شٌردت، وآثار دٌمرت، وبلدان كانت متماسكة تفتت وخربت وسقطت، وكنوز سٌرقت، ثم صارت حالة من الضعف والترهل العام نتيجة الانشغال والاستنزاف المادي والبشري في مواجهة ذلك التطرف المهلك وإرهابه المدمر، وكان المفترض والواجب أن تتركز وتتجه كل هذه الجهود وتلك الموارد والطاقات في المضي قدما على طريق تحقيق التنمية المستدامة والتطور والتقدم العلمي والحضاري.

علينا إذن أن نسأل أنفسنا أيضا لماذا حدث كل ذلك التطرف والإرهاب الفكري؟ وكيف خرجت كل تلك الرايات وظهرت كل تلك الجماعات والتنظيمات؟ هناك إجابات وأسباب متنوعة ومتعددة، منها غياب الدور الوقائي وضعف البديل، حين تقاعس العلماء والفقهاء العارفون وأصحاب الفكر المعتدل عن أداء أدوارهم، وقصروا في نشر الوسطية والسماحة، وغاب تأثيرهم في واقع المعاملات، واختفى ظهورهم في مناحي الحياة وبين عامة الناس، وانشغلوا بما لا يجب أن ينشغلوا به عن مهامهم؛ ظهر وطفى زبد غيرهم ممن يخالفهم، وحين غاب أصحاب الرسالة والانتماء الحقيقي للوطن وللعروبة في كل المهن والتخصصات عن نشر روح المحبة والمودة؛ ظهر وتربح غيرهم، وحين ضعف التعليم وعم التكرار والاستظهار وندر التجديد والابتكار؛ انتشر مدعو العلم بجهالة.

وهناك أشكال تصدِ وعلاج واضحة يجب أن تستأصل أو تحول دون استمرار وتمدد أو انتقال ذلك الفكر والمكر الخبيث، منها نشر الوعي والثقافة الجماهيرية بين العامة على اختلافاتهم، والتصدي والمواجهة الأمنية الحاسمة للإرهاب، وظهور ودعم العلماء الحقيقين العارفين وأصحاب الفكر الوسطي المعتدل، لكى يفندوا أباطيل التطرف والتشدد، ويبطلوا مزاعم الإرهابيين وضلالتهم، ويرسخوا بالحكمة والموعظة الحسنة قيما إنسانية وأخلاقية سامية، مثل الذي ذكره فضيلة الدكتور أسامة الأزهري في خطبة عيد الأضحى عن قيمة سعة الصدر وانشراحه للناس جميعا رغم اختلافاتهم وتعدد حالاتهم وتنوع أحوالهم مع الله دون إنكار أو تكفير من أحد، ونشر روح الرحمة والسلام والمحبة، والتأكيد على قيم وثوابت الأمن والأمان وعلاقتها برواج الأرزاق وازدهار العمران، فلا رخاء ولا تعمير من غير أمن وأمان، ولا تقدم أو نمو من غير استقرار وسلام.