السهرات الرمضانية.. إرث الصعايدة وملتقى الأحباب

السهرات الرمضانية.. إرث الصعايدة وملتقى الأحباب

“اللقمة الهنية تكفي مية، ومن فات قديمه تاه”.. بهذه الأمثال يؤمن كثيرًا من أبناء جنوب مصر “الصعايدة”، وتترجم هذه الأمثلة في سهرات رمضانية بدواوير العائلات، طيلة أيام شهر رمضان المبارك، وهو تراث يتناقله الأبناء من الآباء والأجداد، لتعزيز الترابط الأسري، والاستمتاع بروحانيات لها طابعها الخاص في “مندرة”، العائلة.

وأصبحت السهرات الرمضانية جزءًا لا يتجزأ من الفلكلور المصري الصعيدي، فهي قبل أن تكون جلسة عائلية تجمع الأهل والأحباب هي تقليد أصيل ورثه المصريون عن آبائهم وأجدادهم مثلمًا ورثه الأشقاء العرب، ولكن بأسلوب يختلف عن الاحتفال المصرى بشهر رمضان.. “الأسايطة”، ترصد ذلك في التقرير التالي.

دوار العيلة

“دوار العيلة”، مبني  متسع مكون من طابق واحد، تجد بداخله غرف بسيطة، منها غرفة مخصصة للمقرئ، وأخري أكثر اتساعًا لاستقبال كبار الزوار من العائلات الأخري والضيوف من أي مكان، وعلي جانب أخر تشاهد دورة للمياه ومطبخ، وباقي المساحة بداخل الدوار مفتوح علي بعضه، لاستقبال الضيوف، ويتم فرشها “بالكنب المصري”، وتجد عليه “3 مساندة أو 2 خدادية سميكة الحجم ومتوسطة الطول تكون خلف الضيف للأتكاء عليها”، يشترك في إنشاء الدوار، كل أفراد العائلة.

عندما يقترب شهر رمضان يبدأ أفراد العائلات في تنظيف ديوان العائلة “الدوار”، والتعاقد مع قارئ لقراءة القرآن الكريم، وينشد التواشيح الدينية والأدعية والابتهالات بعد الإفطار طوال شهر رمضان.

العيلة عزوة

يقول الحاج علي عبدالله 70 عامًا من أسيوط، إن الاحتفال بشهر رمضان في كل القري بأسيوط له طبيعته الخاصة فكل العائلات تنتظر الشهر الكريم، ويتم فتح الدوار أو المضيفة أو المندرة، لكل أفراد العائلة لإحياء أيام الشهر الفضيل.

ويضيف: يقوم شباب العائلة بعملية نظافة شاملة للديوان وتزيينه بالزينات الرمضانية، “يوم الروؤية بيبقي عيد يمكن محدش يحس فرحته زي هنا في الصعيد”، ونقوم قبل رمضان بالإتفاق مع أحد المقرئين لإحياء كل الليالي في رمضان، لاستضافة أكبر عدد من الأهالى، وتقوم الدواوين بتقسيم أيام الشهر الكريم على العائلات المشتركة بالديوان لإحضار وجبتي الإفطار والسحور وإحضار الحلويات والعصائر بعد صلاة التراويح.

اللمه الحلوه

اللمة حلوه.. يتابع الحج علي: العائلة في كل القرى مقسمة لأرباع كل ربع منها يقوم  بيت فيه بأخذ ليلة رمضانية، فالليالي الرمضانية مقسمة هناك من يأخذ يوم ومن يأخذ يومين حسب مقدرة الشخص أو عدد “البيوت الموجود في العيلة، ويقوم كل بيت في العائلة بإحضار الإفطار ويكون فيه كل ما تتخخيله من أنواع الأكل”، وتكون هناك منافسة “مين هيخلي ليلته مميزة بالأكل والحلويات بتبقي كل ليلة في رمضان عيد”، ويواجد في الليلة كل أفراد العائلة ليتناولوا الإفطار معًا.

“والعيلة الكبيرة بتبقي عزوة في كل حاجه.. واللمه مبتخلصش بعد الفطار”.. هكذا يقول عبدالله، ويصف: بعد الفطار يبدأ المقرئ بتلاوة القرأن الكريم، وتكون هناك مناقشات وحورات في كل المواضيع، وأحيانًا يقوم أحد الخطباء بإلقاء خطبة قصيرة عن شهر رمضان، وقد يمضى الوقت أحياناً حتى يحين موعد السحور، والسهرات الرمضانية الخاصة “بالعائلة مش إجبارية كل واحد وراحته”، كل من يحضرها يأتى عن طيب خاطر، وهذه السهرات عادات “ورثناها من أجدادنا.. يعني بقيت زي الدم اللي بيتجدد مع كل جيل حتي لو اختلف الزمن”.

ويوضح  نور الدين حسين، معلم، أن السهرات الرمضانية يتم فيها مناقشة كل ما هو جديد على الساحة السياسية أو الاجتماعية، وتمثل السهرات الحل الأمثل فى اجتماع أبناء العائلة والعائلات الأخرى بفضل بركة هذا الشهر الكريم، وكثيرًا ما يتم حل المشاكل الموجودة بين أفراد العائلة “ليالي للتسامح والحب والترابط الأسري، فحتي المغتربين خارج مصر وداخلها، يحددون إجازتهم في هذه الأيام حتي لا يستمتعوا “باللمة للعيلة وكل الحبايب”، ويتم فيها نقل كل الخبرات من أبائنا وأجدادنا لكل الشباب.

عنصر الترفيه

ويكمل حسين والموضوع لا يقتصر فقط بالأسرة أو أهالي العائلة، بل هناك أبناء سبيل يأتون لهذه الليالي الرمضانية للإفطار أو السحور، وهناك أصدقاء لأفراد العائلة يحضرون الإفطار والسحور، وللمشاركة في هذه الأجواء العائلية الجميلة، وهذا عنصر من عناصر الترفيه التي تكون في هذه السهرات بدلًا من الجلوس علي المقاهي، أو الذهاب إلي المدينة للجلوس في الكافيهات.

الثأر

يقول مصطفي عبدالرحمن، موظف بالتربية والتعليم، إن السهرات الرمضانية من أجمل ما تراه العين في الصعيد، ولكن مع وجود عادة الثأر تسببت في غيابها عن بعض العائلات، فمن يستطيع الاستمتاع أو المشاركة فيها ممن عليهم ثأر “ده ممكن في لحظه يتقتل”، والسهرات الرمضانية عادة اجتماعية متوارثة، وتعتبر من الفلكلور الصعيدي الذي يجب الحفاظ عليها “هنا في العصيد”.

ويضيف عبدالرحمن أن ايضًا اختلاف أذواق الأجيال قد يتسبب في يومًا ما من اندثار هذه العادة الاجتماعية والإنسانية الجميلة، فبعض الشباب لا يحبذ هذه الفكرة، ويفضل عدم التواجد مع العائلة أو المشاركة في الليالي الرمضانية العائلية، وقد نزح الكثير من الشباب عن هذه الفكرة ويكتفوا بمشاهدت المسلسلات والبرامج التلفزيوينة، ولكن هذا لا يمنع أن هناك مثلهم يحبذونها بل ويسارعون في المشاركة في كل السهرات طوال شهر رمضان.

دوار الأشخاص

فيما يوضح الحاج محمد سيد، مزارع 50 عامًا، من مدينة صدفا بأسيوط، السهرات الرمضانية هي الفاكهة للعائلة، “احنا بنستناها من السنه للسنه عشان اللمه الحلوة والعزوة والعيلة”، وأن كان بعض الأشخاص قاموا بالإنفصال عن “دوار العيلة”، وفضلوا عمل ليالي رمضانية في “أماكن خاصة بيهم”، بمعني آخر “الليالي انتقلت من دوار العائلات لدوار الأشخاص”، وهناك عائلات كاملة انفصلت عن بعضها بسبب هذه الظاهرة.

ويكمل سيد: “مافيش أحلي من اللمة للعيلة الواحدة مش مجرد أشخاص”، فالسهرات الرمضانية “ورثنا من جدودنا في رمضان”، ونحاول الحفاظ عليه بغرز حبه في أولادنا وشباب العائلة حتي لا يأتي وقت وتنتهي.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

 

 

 

 

الوسوم