الإخلاص هو صلب الدين، بل هو الدين كله، فحينما يشك الإنسان في إخلاصه بإمكانه مثلاً أن يُنفق شيئاً دون أن تعلم شماله ما أنفقت يمينه، هل يستطيع الشيطان أن يأتيه ليقول له: إنك لست مخلصاً!

لو أنك صمت يوماً في سبيل الله، ولم تقل هذا لأحد، أحياناً يصوم الإنسان يوم نفل كلما التقى بإنسان ألست صائم أنت اليوم؟؟ يريد أن يقول لكل من يلتقي بهم: إنه صائم، نعوذ بالله من النفاق والرياء، لك أن تصوم، ولا تذكر كلمة أنك صائم، ولك أن تنفق، ولا تذكر كلمة أنك منفق، ولك أن تغض البصر من يعلم هذه العبادة إلا الله؟

أنت حينما تجلس في غرفتك تفتح نافذة جارتك، وتطل من النافذة فإذا غضضت عنها البصر هل في الأرض كلها إنسان يمكن أن يحاسبك أو يعلم ماذا فعلت، تفعل لماذا؟ هذا هو الإخلاص، إذا كنت في البيت في أيام رمضان الحارة، والصنبور أمامك، وليس في البيت أحد، ولك أن تشرب وتشرب حتى ترتوي، ولا أحد يعلم، لا كبير ولا صغير، ما الذي يمنعك أن تشرب؟ خوف الله عز وجل.

فكلما أكثرت من العبادات التي تؤكد أنك مخلص تشعر مع حين أنك مخلص، أنفق ولا تتكلم كلمة واحدة، صم ولا تتكلم، صلِّ الليل ولا تتكلم، وافعل ما تريد تقرباً لله عز وجل ولا تتكلم، ومع ذلك فالله عز وجل يلقي في روعك أنك مخلص.

وهذه بعض الأدلة من القرآن والسنة تحث على الإخلاص:

– من القرآن: قال تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}

قال القرطبي في تفسير هذه الآية: مخلصين له الدين، أي مخلصين له العبادة، ومنه قوله تعالى: [قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ] وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره.

ومعنى الآية: أي عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقام الصلاة، وإنفاق للمال في سبيل الله وهو الزكاة.

فمن حقق هذه القواعد فقد حقق الإيمان، كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو دين الله على الإطلاق، دين واحد، وعقيدة واحدة.

وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.

قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}، وقال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً}

وقال تعالى على لسان إبليس لعنه الله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ}

وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}

وهي الأعمال التي كانت على غير السنة، وأريد بها غير وجه الله.

– أحاديث من السنة تدعو إلى الإخلاص

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

وإن من الأسباب المعينة أن يعلم الإنسان أن العبد إذا عمل العمل بدون إخلاص فهو لا ينفعه، وهل من عمل يعمله المسلم إلا ويرجو رحمة الله.

ولهذا قال ابن القيم: “العمل بغير إخلاص ولا اقتداءٍ كالمسافر يملأُ جرابه رملاً ينقله ولا ينفعه”.

ومن الأسباب كذلك أن يعلم الفوائد التي سيجنيها من هذا الإخلاص فهو إذا علم أن الإخلاص هو الأساس في قبول الأعمال والأقوال، وأنه الأساس في قبول الدعاء، وأنه بالإخلاص ترتفع منزلة الإنسان في الدنيا والآخرة، وأنه بالإخلاص يذهب عن نفسه وساوس الأوهام، وأنه يحرر العبد من عبودية غير الله.

فلا شك أن الإخلاص يقوى العلاقات الاجتماعية، وينصر الله به الأمة، ويفرج شدائد الإنسان في الدنيا، وبه يحقق الطمأنينة لقلب الإنسان ويجعله يشعر بالسعادة، ويقوي الإيمان ويكره إليه الفسوق والعصيان، وهو يقوي عزيمة الإنسان وإرادته في مواجهة الشدائد، وبه يحصل كمال الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة.

فإذا علم الإنسان كل هذه الفوائد، فإنه يسعى جاهداً في أن يخلص العمل لله. وبعد هذا كله عباد الله: ما أحوجنا إلى أن نكون مخلصين لله في أقوالنا، وأفعالنا، وحركاتنا وسكناتنا، فإنه السبب في الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة.

وما أشدنا حاجة في هذا الزمان بالذات إلى الإخلاص؛ لكي يقوى إيماننا، ولكي تنتصر أمتنا، ولكي يفرج عن المسلمين الشدائد والكربات، ويتحررون من العبودية، ويتحقق لهم الطمأنينة والسكينة، ويشعرون بالسعادة؛ لأنهم في حالة لا يعلم بها إلى الله عز وجل فما أحوجنا إلى الإخلاص؟!

اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك صواباً على سنة رسولك يا رب العالمين