القس باقي صدقة: لا يستطيع البابا حل مشكلة سد النهضة لأنها قضية يحكمها علاقات بين الحكومات

القس باقي صدقة: لا يستطيع البابا حل مشكلة سد النهضة لأنها قضية يحكمها علاقات بين الحكومات
كتب -

أسيوط – بيتر عاطف وأبانوب عادل:

“عندما حاول الأمن إنشاء برج أمني حول الكنيسة الإنجيلية الأولي رفض بشدة، وقال لهم لماذا نضع دشمة لحراستنا، وممن تحرسونني، علاقتي بالناس جميعا طيبة المسلم قبل القبطي.. إذا كنتم تريدون عمل أبراج أمنية حول الكنائس فمن الأولي أيضا أن تأمنون المساجد”.  

هكذا يري القس باقي صدقة، راعي الكنيسة الإنجيلية الأولي، المساواة، من أجل أن تسود المحبة والتآلف بين الناس، ويري أيضا أن الأقباط ينعمون بماينعم به المسلمون ويمارسون حياتهم السياسية بدون تضييق، ولكنه غير متفائل بالأوضاع السياسية والاقتصادية التي تعيشها مصر، في ظل عدم وجود قيادة حكيمة، لديها حس وطني – كما كان الرئيس عبدالناصر – وإلي نص الحوار..

في رأيك لماذا يعزف الأقباط عن العمل السياسى فى الفترة الأخيرة، وهناك عدد قليل يمارس العمل السياسي؟

– لا أبدا فأنا لا أشعر بذلك، وليس هناك فرق بين الأقباط والمسلمين في المشاركة السياسية، فهناك الكثيرون من المسلمين عازفين عن العمل السياسي، لأنهم يتفرغون لمجالات أخرى فى الحياة ليس بقصد السلبية، ولكن مجرد انشغال عادى، وكذلك الأقباط، فالحقيقة أنا لا أرى أى فرق بينهم فهناك أقباط عازفين عن العمل السياسى وأيضا مسلمين وهناك أقباط إيجابيين وأيضا مسلمين.

هل ترى أنه يوجد حاليا فى مصر حالة من الإحباط العام، خاصة فى ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية التى وصلنا إليها؟ ولو هناك إحباط لدي المواطنين فما النصيحة التى توجهها لهم؟

– بالطبع هناك شعور عام بالإحباط من الأوضاع الحالية بالدولة، وأنا كرجل جاوز الثمانين من العمر عندما أنظر إلى الشباب الذين فى سن أولادى فصدقنى أنا أشفق وأعطف عليهم، لأنهم لم يروا بلدنا من سبعين سنة مضت، فبغض النظر عن المناخ السياسي “ملكية وجمهورية وثورة” فنحن كشعب عشنا أياما في طفولتنا وصبانا وشبابنا كانت البلد فيها جميلة، وكانت الأخوة صادقة والمحبة سائدة والإيثار والتعاون وكان كل شئ جميل.

– اذكر لك مثال صغير: نحن منذ أكثر من أربعين سنة كنا نسكن فى بيت شخص مسلم بالإيجار، ولم نكتب عقد إيجار ولم نأخذ إيصال من صاحب البيت، وعندما تركت البيت، وذهبت لمكان آخر لتغير مكان العمل لم أخذ خلو من صاحب المنزل، فكان عيب أن نأخذ خلو وذهبت إلي الرجل وشكرته ودعوت له بالتوفيق، وأخذت له هدية وانصرفت طبعا.. بعض الناس الذين سمعوا بهذا الأمر قالو لي كيف لا تأخذ خلو فقلت لهم لم نعرف هذا الأمر في حياتنا، فكان المناخ العام فى البلد إخاء وحب وتضحية وبذل ووفاء وأدب وخلق، لكن اليوم توجد مصطلحات لم تكن معروفة زمان فمثلا كلمة تحرش لم تكن موجودة فى قاموسى وكلمة بلطجة لم نكن نسمع عنها.

– عندما بدأنا نسمع عنها سألنا ما معناها فهى لم تكن موجودة فى مخزوننا الثقافي، فكان هناك أمان واحترام الابن للأب، والتلميذ لمعلمه، والموظف لرئيس العمل، ومن ناحية أخرى كان هناك عطاء كبير من الناس المسئولين فكانت البلد مختلفة، واليوم عندما تسألني هل يوجد إحباط.. أرد عليك طبعا يوجد فمشاعرى كأب وجد لأحفاد أنظر لهم كشباب في المستقبل أشفق عليهم وأدعو لهم ربنا أن يحسن ما تبقى لهم من أيام حافلة بالخير والمودة والابتسامة والأمل.

 ما النصيحة التى توجهها للشباب فى هذه الفترة؟

– يجب أن تعودوا إلى القيم التى أصبحت غائبة أو أصبحت باهتة، وأقصد بالقيم المثل العليا التى يوجد فيها العطاء أفضل من النهب والأخذ والثقافة والعلم أفضل من الجهل وفيها الإيثار والتعاون والتواصل مع الآخر، وأهم شئ أقوله للشباب اليوم: “اعمل ولا تضيع وقت كثير فى الكلام ولا تستسلم لمشاعر الإحباط واليأس، فدائما هناك أمل وتاريخ ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، وربنا سبحانه وتعالى عندما نعمل يبارك ما نعمل، وعندما نستسلم للخمول والكسل فنحن نجنى ونحصد ما نزرعه ولا نلومن إلا أنفسنا”.

– حضرتك عاصرت عصر الملك فاروق وثورة 1952 وثورة 2011 من وجهة نظرك ما الفرق بينهم؟

– أنا هتفت للملك مع آلاف الناس، وكانوا يهتفون يحيا الملك، وعندما جاء عبدالناصر هتفنا له لأننا بدأنا مرحلة جديدة من العهد والأمل، وقبل عبد الناصر كان هناك اللواء محمد نجيب، وكان شعاره الاتحاد والنظام والعمل، ولما توفى عبدالناصر بكيت وحزنت عليه، لأننا كنا نحبه فكان يمثل قيمة وطنية غالية وكان رجل صاحب مبادئ ومثل ولم نسمع عنه أنه جرى وراء المال أو المكسب الدنيوى.

هل حقق عبدالناصر شيئًا من العدالة الاجتماعية؟

– من غير الممكن أن يحقق الواحد كل الأمانى، ولكن يكفى أن الرجل بذل جهده وكان صادقا فعليا، وبذل كل ما فى وسعه، وكان واضحا، وصاحب مثل وقيم وأحببناه واستمعنا إليه وهتفنا له عندما كان يخطب، ولما توفي بكيناه ولا أزال اذكره وأحبه.

عندما خلع الرئيس مبارك ماذا كانت تمثل لك تلك اللحظة؟

– العشرة لا تهون ولا ينبغى أن ننكر أنه رجل كانت له مآثر، ونحن كشعب الأصالة تجرى فى عروقنا، وحتى إذا كان هناك بعض التصرفات التى تجاوزت حدود كثيرة، ولكن لا يصح أن أقلل من شأن أى إنسان بذل أى جهد، فكان عندما يحالفه التوفيق نهنئه، وإذا أخطا الطريق فهو بشر، ولا ننكر أنه كان حوله مجموعة من الناس ليسوا فقط مستفيدين ولكن أيضا مستغلين، والناس تاهت معهم، ولما مضت الأيام واختلفت الأوضاع اليوم فإن الناس تقارن بين مبارك والرئيس الحالى.

من وجهة نظرك ما الفرق بين الوضع الحالى ووضع حسنى مبارك؟

– المقارنة تحتاج إلى تحديد المجالات التى يوجد فيها إيجابية وفيها سلبية، فالأمن كان مصقولا بكثير من القمع والضغط والبطش ولا ننسى أمن الدولة فهم كانوا كأفراد أصدقاء، فأنا كنت على علاقة وثيقة معهم، ومعظمهم كانوا تلاميذى عندما كنت مدرسا وتربطنى بهم علاقة طيبة سواء كان لهم سلبيات أو إيجابيات في فترة ما قبل ثورة 25 يناير، فبالرغم من كل السلبيات كان يوجد فيها أمن.

– عندما سافرت إلى أمريكا أول مرة عام 1977 ذهبت لأراقب بعض الأحداث الموجودة هناك فى السبعينيات وذلك مع بداية ظهور الجماعة الإسلامية، وأنا لا أحب أن أقول جماعة إسلامية كأننا ربطنا وألصقنا الإسلام بالتطرف، وهذا ظلم، حيث لى آلاف الأصدقاء من المسلمين ولا أستطيع أن اتهم واحدا منهم بأنه سئ فكلهم أصحابى وأحبهم وبعضهم علاقتى معهم أقوى من علاقتى مع أفراد أسرتى، وأحد كبار المسئولين المسلمين كان يشغل وظيفة كبيرة جدا أعطانى مرة هدية وكتب عليها يخاطبنى “إلى أخى الذى لم تلده لى أمى”، وأنا أيضا رديت عليه بنفس الأسلوب واستأذنته فى أنى أخاطبه بنفس الأسلوب، وكان يذهب للعمرة والحج ويدعو لى، وأنا أدعو له، فنحن عشنا طول عمرنا أحباء وهكذا نعيش اليوم، وهكذا أعيش لأرى أحفادى اليوم لا يلوث أحد فكرهم لأنهم أحبوا الناس مسلمين ومسيحين من غير تفرقة.

– هناك في أمريكا وسألونى عن الأمن فى مصر، وسمعت عن البطش الموجود فى بعض الأماكن هناك، حيث لا يستطيع الإنسان إن يشعر بالأمان وهو يعبر الشارع، قلت لهم أستطيع أن أمشى فى بلدى من أسيوط إلى القاهرة بأمان، فلأمن والأمان نعمتان لكل منهما معنى مميز عن الآخر فالأمن تستمد منه الشرطة والحكومة والنظام قوتها، والأمان حالة نفسية وأنا كمواطن مصرى كنت طبعا ولا أزال أشعر بالأمان مع خلاف المناخ، ولكن لا أستطيع الآن أن أطمئن علي ابنتى أو زوجتى أن تسير لوحدها فى شوارع القاهرة، حتى وأنا معهما، وأخاف عليهما.

هل تشعر بالقلق حيال علاقة الود بين المسلمين والأقباط خلال هذه الفترة؟

– لا أشعر بالقلق إطلاقا، مهما حاول الكارهون أن يفسدوا الود بين المسلمين والأقباط، لأننا في دمائنا حضارة إخاء عمرها 7 آلاف سنة، ولا يستطيع شخص أن يفسدها في يوم وليلة.

هل تتوقع تدخل البابا تواضروس لحل أزمة مياه نهر النيل مع أثيوبيا؟

– في تصوري أنه لا يستطيع لأن مشكلة سد النهضة هي علاقات حكومات ومهما كانت العلاقة الدينية قوية ولكن هناك حدود لكل إنسان.

على الصعيد العربي هل ترى أن نظام الأسد فقد شرعية بالمذابح التي ارتكبها في حق شعبه؟

– أنا لو مكان بشار الأسد لا أجلس يوما آخر في رئاسة الجمهورية، وأنا عندي في الكنيسة خلال إجراء الانتخابات قولت: إنه لو شخص رفض أن أكون راعي الكنيسة لانسحبت من الانتخابات، وهذا يحدث الآن في مصر.. هناك من يعارض الرئيس، ولكن هناك إلحاح على أن يكون هناك عنف وقسوة بين الشعب، فالشرعية في المصداقية ورعاية الشعب، وليس الشرعية – كما يقولون – هي صندوق الانتخاب لأن الانتخابات خاضعة للتزوير.

كان هناك مطالبات من الأقباط خلال تولي البابا شنودة شئون الكنيسة بتطبيق اللائحة 38 والخاصة بالزواج الثاني، هل ترى تجدد المطالبة في عهد البابا تواضروس؟

– هذا الموضوع لا يشغل بالي، لأنه من المفترض قبل الزواج أن يرى الشاب أن زوجته مناسبة له، ولا يصح أن يكون هناك طارئ يفقدني علاقتي معها ولابد أن يكون هناك علاج من المنبع.

ما توقعات لمستقبل مصر خلال الفترة المقبلة؟

– أثق أن النصرة لمصر العليا، والقيم والنصرة أخيرا للحب الذي ينتصر على الكراهية.

 

راعي الكنيسة الإنجلية الأولي بأسيوط في سطور

الاسم: باقي صدقة

السن: 80 عاما

المهنة: راعي الكنيسة الإنجلية الأولي

الحالة الاجتماعية: متزوج ولديه ابن وبنت

المولد: ولد في القاهرة لأب كان يعمل موظفا فى السكة الحديد، وكان عمره عامين عندما جاءت الأسرة إلى أسيوط.

المناصب التى تولاها: مدرس لغة إنجليزية لمدة 28 سنة، وكيل مدرسة، ودرس اللاهوت وتحول للخدمة الدينية، وأصبح قسيسا، ثم راعيا للكنيسة الإنجيلية الأولي.