الحقيقة أن السكة الحديد من الهيئات التي ترتبط بها مصالح الجماهير على اختلاف أنواعها، ومن يقف في محطة القاهرة أو الجيزة، سيجد على الرصيف كل فئات الشعب المصري بكل أطيافه، من البائع المتجول والعامل الأجير إلى الموظف ورجل الأعمال وكبار الرسميين والسائحين الأجانب أيضا.

كلهم يستخدمون القطارات ويدفعون مقابل التذكرة، ويدفعون بسخاء للشركات التي تبيع لهم المشروبات والوجبات الخفيفة والمياه بضعف أسعارها، سواء على الرصيف أو داخل القطارات.

ومن ثمن التذكرة تنفق السكة الحديد على موظفيها وعمالها ومهندسيها وسائقيها، وإذا لم يكفي ثمن التذكرة، تقوم الدولة بتعزيز ميزانية الهيئة في صورة دعم لتظل الهيئة واقفة على قدميها لتؤدي خدماتها التي لا غنى عنها لكل المصريين.

وتعتبر هيئة السكة من الجهات المميزة وظيفيا، أي تلك الهيئات التي يتطلع إليها الشباب للعمل فيها، ولا ينكر العاملين فيها أن دخل العامل البسيط في هيئة السكة الحديد يكاد يقترب من دخل الجامعي في الحكومة، فضلا عن ذلك، تحقق لهم مميزات أخرى، منها الركوب المجاني والعلاج بمستشفى الهيئة، وكلها مميزات قد لا تتوافر في جهات أخرى، مما جعلها مطمعا لطالبي الوظائف المتميزة.

وربما ساهمت الدولة بشكل أو بآخر في تدليل هيئة السكة الحديد عندما رفضت السماح لشركات النقل الجماعي وشركات النقل الخاصة بالعمل في الصعيد أسوة بالقاهرة ومدن الشمال، وتركت الملعب أمام شركات الأتوبيس الحكومية وهيئة السكة الحديد فقط.

شركات أتوبيس الصعيد ضاعفت أسعارها واقتصرت على الطرق الصحراوية، ونقل الركاب من وإلى القاهرة فقط، أما التنقل بين المحافظات والمدن، فلا توجد سوى الميكروباصات، وسيارات نقل البضائع، والتي يركب الناس فيها من الخلف ويحشرون فيها حشرا، دون مراعاة لامرأة أو رجل أو مريض أو ضعيف، يحشر الناس في صندوقها رغما عنهم، لأنهم لا يجدون غيرها.

وبالرغم من أن أهل الصعيد دفعوا من أرواحهم الكثير ثمنا لإهمال ورعونة الإدارة في هيئة السكة الحديد في صورة حوادث متكررة ونمطية، إلا أنهم ما زالوا يدفعون من وقتهم وأموالهم ومصالحهم ثمن سوء الإدارة في تلك الهيئة العريقة التي أدارها الإنجليز في منشأها الأول، ومع ذلك تبدو وكأنها تدار لأول مرة بأيدي مديرين لا خبرة ولا دراية لهم.

كل مواطن له مشكلته، ويريد أن يصل في موعده، هناك مواطن أنهى مصالحه ويستعد للعودة إلى بلدته في الصعيد، وجد نفسه وقد تقطعت به السبل على أرصفة الهيئة، طالب يريد الذهاب إلى كليته ومدرسته، ويحمل اشتراك قطار وليس لديه أجرة الميكروباص، مريض ينتظر القطار لتوقيع الكشف الطبي والعلاج في إحدى المدن الأخرى، وغير ذلك من مصالح المواطنين التي تعد ولا تحصى، وكل صاحب مصلحة يتألم، ولا يجد من يشكو له.

تعاني السكة الحديد من الكثير من المشكلات، منها عدم انتظام المواعيد، وقلة القطارات التي تربط بين المراكز، وسوء حالة بعض المحطات، وعدم وجود أماكن لجلوس الركاب في انتظار القطارات، وسوء حالة دورات المياه، وقذارة القطارات، وسوء حالة المقاعد في القطارات المكيفة وتهالكها خصوصا في قطارات الصعيد، وقلة عدد القطارات التي تتوقف بالمراكز والمدن الجنوبية ليلا.