عندما نتحدث عن معاناة الناس عندنا في محافظة أسيوط. فإننا نصاب بخيبة أمل، وخصوصا نحن الكتاب الذين نرى تلك المعاناة مرسومة في وجوه الناس، ولا نستطيع السكوت عليها، ورغم أننا كتبنا مرارا وتكرارا، لعل أحد من المسئولين يفيق من غيبوبته، أو يرد على ما نقوله، أو يطمئن الناس بأن مشاكلهم في طريقها إلى الحل.

ربما لأن المكاتب الصحفية والإعلامية في المحافظات، والتي ينفق عليها الكثير، لا تهتم إلا ما يكتب في مديح المحافظ أو محاباة المسئولين، وتتجاهل ما يكتب عن مشكلات ومعاناة الناس.

أخطر تلك المعاناة التي تحتاج إلى حلول عاجلة على مستوى رئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء، تلك المعاناة المتعلقة بالتنقل بين الأقاليم، أو بين المدن والقرى، وهي مشكلة لا تخص محافظة أسيوط وحدها، ولكنها أيضا تخص كل محافظات الصعيد من الجيزة حتى أسوان، فقط محافظة الجيزة وبني سويف وجدتا حلولا ناجحة للمشكلة، وظلت باقي محافظات الصعيد تعاني من ويلات تلك المشكلة.

تقع معظم مدن الصعيد على طريق طولي واحد، يمتد ليعبر كل المدن حتى تصل لعاصمة الإقليم، فإذا عرفنا مثلا أن مدينة ديروط تبعد عن عاصمة المحافظة أسيوط بمقدار سبعين كيلومتر، تقطعها السيارة السريعة في ساعة ونصف، فإننا ندرك فداحة المشكلة.

تزداد خطورة المشكلة إذا عرفنا أنه لا توجد سوى وسيلة مواصلات واحدة هي الميكروباص، لنعرف مدى معاناة الناس، في تلك المواصلة سيئة السمعة، التي لا ضابط لها ولا رابط، في مواقف هيمن عليها البلطجية والنشالون. فضلا عن قيام السائقين بحشر الركاب فيها بطريقة غير آدمية، فضلا عن قدم موديلات تلك السيارات، وأصبحت غير صالحة للاستعمال، فهي في الحر تبدو ككتلة من العذاب، وفي الشتاء أغلب أبوابها ونوافذها ليس بها زجاج، والغريب أن لجان المرور المؤقتة والدائمة لا تفتش على صلاحيات السيارات من الناحية الفنية، كل ما يفتشونه هو تصاريح القيادة أو مدى سريانها.

كنا نود أن يقدم مدير إدارة المرور تقريرا وافيا عن كمية الركاب التي تنقلها تلك السيارات في الصباح والمساء، وأعداد الركاب الذين يستخدمون تلك السيارات، على سبيل المثال، يستخدمها الموظفون وطلاب الجامعة، والمرضي الذاهبون إلى المستشفى الجامعي وعيادات الأطباء في أسيوط، والموظفون في مهام رسمية إلى العاصمة حاملين أوراقهم، والمتقاضون والمحامون، والتجار وغيرهم ممن لديهم مصالح وأشغال، يستخدمون الطريق مرتين في الذهاب والإياب، فضلا عن قيام الأهالي في تلك المدن بزيارة بعضهم البعض.

ربما قال البعض إن هناك قطارات تنقل الركاب أيضا، ولكن من يذهب إلى أي محطة قطار في أي مدينة سيلمس بنفسه مدى معاناة الناس من الزحام أثناء ركوب القطارات، وما يحدث للبنات والسيدات والطالبات في تلك القطارات، والتحرش واستعراض الشباب لقوتهم وعائلاتهم أمام الركاب والبنات، فضلا عن العصبيات والمشاجرات اليومية التي تجري في القطار.

كنت أتمنى أن يتنكر المحافظ في زي مواطن عادي، بدون حراسة، ويحاول الذهاب إلى أي مدينة من المدن التي يحكمها، ويستقل الميكروباص من الموقف، أو أن يذهب إلى محطة القطار في مواعيد قطارات الأقاليم، ليعرف بنفسه مدى معاناة الناس في الذهاب إلى أعمالهم وكلياتهم ومستشفياتهم، وليقرر بعدها هل يبقي أم سيستقيل.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.