> د. أحمد عبد التواب الخطيب يكتب: حماية القاضي من تأثير وسائل الإعلام على إصدار الأحكام الجنائية

قد نجد أن بعض القضايا الجنائية تأخذ اهتماما كبيرا في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة قضايا الرشوة والفساد المالي مما يجعلها قضايا رأي عام.

وهذا أمر غير حقيقي فكل مهنة أو وظيفة فيها العنصر الصالح والعنصر الفاسد، وهذا طبيعي في المجتمع فكما يوجد الخير يوجد الشر.

ولكن نقول يجب أﻻ نتحمل على المتهم في هذه القضايا بسبب وظيفته فهو فرد في المجتمع يحاسب إذا ثبتت إدانته أمام القضاء بالقانون، ولكن استغلال هذه القضايا من جانب المغرضون ضد الهيئة التابع لها المتهم من الناحية الوظيفية، ففي ذلك ظلم للعاملين بهذه الهيئة وللمتهم ذاته لأنه يجب أن يحاسب وأن تنظر قضيته باعتباره متهمًا كغيره من المتهمين في القضايا الأخرى له حقوقه التي كفلها الدستور والقانون كحقه في الدفاع عن نفسه والاستعانة بمحام وغير ذلك.

وعلى هذا نجد أن النشر فيها قد يوثر على القضاء عند نظر الأوراق فيجد القاضي المنظورة أمامه الأوراق إما التأثر بالرأي العام والحكم بالإدانة، وفي هذه الحالة قد يقع ظلم على المتهم.

أو يحكم بالبراءة وذلك لخلو الأوراق من دليل ويطبق القانون والعدالة المجردة فيقولون بعد ذلك لقد جنح القاضي في حكمه بالبراءة.

فيجب علينا أن نرحم من ينظر هذا النوع من القضايا وأن نتوقف عن النشر بغير علم أو تخص، ومن ثم نجد أن حظر النشر وتجريمه في بعض الأحوال تكون الغاية منه هو توفير أكبر قدر من الحيدة والموضوعية للقضاة الذين يناط بهم الفصل في دعاوى معينة أو جهة التحقيق فيها بالإضافة إلى عدم التأثير في الشهود والرأي العام الذي يؤدي في النهاية إلى تحقيق العدالة.

وعلى هذا قام المشرع بتجريم النشر الذي من شأنه التأثير على سير العدالة واشترط لقيام هذه الجريمة أن ينصب النشر على أمور من شأنها التأثير في القضاة أو رجال النيابة أو الشهود أو الرأي العام وهي تشمل نشر أي أمر يكون من شأنه الإضرار بالعدالة كنشر التحقيقات الصحفية عن الجريمة موضوع الفصل أو التحقيق وتوجيه الرأي العام في الدعوى سواء لمصلحة المتهم أو ضده أو نشر وقائع عن سيرة المتهم أو اعترافه أو التعليق على الشهود.

وكذلك نشر كل أمر ينطوي على التهديد أو الوعيد للتأثير على القضاة للإخلال بالحكم أو الموضوعية التي يجب توافرها في القاضي.

ونجد أن الفلسفة التشريعية في هذا الأمر قد قامت بمراعاة التوازن بين حق المجتمع في المعرفة وبين عدم التأثير على العدالة ويترتب على ذلك أنه من حق الصحف النشر ولكن مع عدم التأثير على مجريات التحقيق أو على إجراءات المحاكم ومراكز الخصوم.

فالمشرع أباح نشر وقائع الجلسات ومتابعة أطوارها ضمانًا لحرية الإعلام وحق المواطن في المعلومة وتأكيدًا للهدف من علانية الجلسات مع عدم جواز أن يقوم الإعلامي بنشر مقالات تحليلية وإبداء وجهة نظر في الدعاوى المنظورة لأن هذا النشر قد يكون فيه نوعًا من التأثير على الرأي العام، ومنه على القاضي الذي ينظر الدعوى لأنه إنسان تتجاذبه عوامل سيكولوجية قد تخضع لبعض التأثيرات رغم محاولته صدها أو البعد عنها.