> د.رفعت الموشى يكتب: ذكريات وطرائف أول صعيدي في اليابان (1ـ 6) | أسايطة

أولا بالرغم من قضائي أكثر من سبعة أعوام ونصف العام باليابان بصورة متصلة في منحة دراسية حصلت فيها علي درجتي الماجستير والدكتوراه في هندسة المفاعلات النووية، ولم احضر خلال كل هذه الفترة لزيارة الوطن أو الأهل ولو لمرة واحدة، ومع ذلك  لم أحاول أن أكتب عن اليابان سطرا واحدا، أولا خوفا من أن أظلم أبناء وطني بعمل مقارنة ظالمة بين الشعب الياباني الذي يتمتع بكامل الحرية والديمقراطية وتتوفر له كل وسائل الرفاهية التي اتمناها لكل أهل بلدي، وبين شعبنا الذي يفتقر إلي الكثيرمن الأشياء الغيرخافية علي أحد، وتنحصر كل اهتماماته بل وأحلامه في البحث عن لقمة العيش لسد الرمق ومن المعروف أن من لا يملكك قوته لا يملك قراره لذا فضلت الابتعاد عن معترك السياسة أو الخوض في دهاليزها لأنها سوف تبعدني عن الهدف الحقيقي الذي كرست حياتي له وهوالتفرغ للبحث العلمي الذي تغربت من أجله لسنوات طويلة. وثانيا فلقد كتب الكثيرون عن اليابان وخاصة من قبل الزائرين سواء كانوا كتابا أو زائرين عاديين أو دارسين وما لاحظوه أثناء لقائتهم باليابانيين في حلقات أو ندوات،  ولكن كلها قشورلا تثمن ولا  تغني من شبع فكلها عبارة عن كتابات سطحية تمت دون أي تغلغل ملموس في أعماق الشخصية اليابانية، لأنك تحتاج إلي معاشرة حقيقية مع اليابانيين والتعامل معهم عن قرب  حتي تستطيع أن تفهم طباعهم وأسرارهم والتعرف علي سلوكياتهم، وعن الشخصية اليابانية الحقيقيقية والتي أعرف أنها مازالت لغز غامض بالنسبة للغرباء وللأجانب .

من خلال معاشرتي أنا وأسرتي المصرية لهم ولفترة طويلة ووجود أطفالي معهم في الحضانات اليابانية  قد استطعنا أن نلم بالكثير من الأشياء الخافية عن الكثيرين من كل من كتبوا عن اليابان مثل العادات والتقاليد والسلوكيات والكثير من خصالهم وطريقة تفكيرهم ومشاعرهم.

وتحضرني المقابلة الأولي لأستاذي المشرف الياباني بمعهد طوكيو للتكنولوجيا بمدينة طوكيو العاصمة التي تبعد حوالي 600 كيلومتر عن مدينة اوساكا، التي بدأت  بها دراسة اللغة اليابانية بعد سفري من القاهرة  لليابان مباشرة  مستغرقا ستة شهور متصلة.

انتقلت بعدها من مدينة اوساكا إلى مدينة طوكيو مقرالمنحة لاستكمال دراستي الأساسية ، وسكنت ببيت الطلبة بطوكيو، وفي اليوم التالي من وصولي لمدينة طوكيو ذهبت للمعهد الذي سأستكمل به دراستي ومن ثم ذهبت مباشرة إلي قسم هندسة المفاعلات النووية بالمعهد بعد أن دلوني عليه وفيه وجدت سكرتارية القسم بمدخل الباب الرئيسي مباشرة، وهناك سألتهم عن مكان الأستاذ المشرف فأخذوا يتهامسون وينظرون إلي من أعلي إلي أسفل، وكانهم يتوقعون قدومي ثم رحبوا بي بطريقتهم الخاصة ودلوتي علي مكتبه .

طرقت الباب ففتح الباب وأومأ لي بالانتظاربالخارج فوجدت شخصا يلبس في قدميه حذاء نصف رقبة من البلاستيك الأبيض الذي يستخدمه عمال النظافة فوق البنطلون حتي أسفل ركبتيه معطيا لي ظهره وممسكا في يديه بممسحة يمسح بها أرضية المكتب فظننت أنه العامل، وعندما سألته عن أستاذي المشرف بلغة يابانية ركيكة ومتلعثمة، استدار لي نصف استدارة وأجابني مبتسما بلغة انجليزية سليمه  بأنه هو الأستاذ الذي أبحث عنه فخجلت من نفسي، وانتابني الذهول حتي شعرت بأن الأرض تكاد تنشق وتميد تحت أقدامي، وحاولت بالشهامة المصرية المعروفة أن أتناول منه الممسحة لأنه من غير الممكن أن أقف وأقوم بمشاهدته وهو يمسح الحجرة بنفسه، لكنه رفض بأدب جم وقام باستكمال عملية المسح، وحين  فرغ من عملية المسح قام  بخلع حذاء التنظيف الأبيض، ووضعه في دولاب صغير وسحب منه شبشبا من البلاستيك، قام بوضعه في قدميه، فرأيت إنسانا غاية في الأناقة يمشي كالطاووس بخفة ورشاقة منقطعة النظير، ولا يظهر عليه أي تقدم فى العمر ثم استدار إلي وأفهمني بأدب ولطف بأنه ليس لديهم عمال نظافة للمكاتب بل هناك عاملات لنظافة دورات المياه يوميا فقط ( وعرفت فيما بعد بأن عمال النظافة يتمتعون بنفس المعاملة ونفس القدر من الاحترام الذي يتمتع به الأساتذة والباحثين، وأن الكل هناك سواسية في المعاملة  حتي أنهم  يأكلون علي نفس المائدة التي يأكل عليها الأساتذة والباحثين بمطعم الجامعة  في فترة الغذاء، دون تفرقة في المعاملة  فلا توجد هناك موائد مخصصة للأساتذة وأخري للطلبة أو للعاملين فالكل علي قدم المساواة.