كثيرًا ما تأملت أحوال كثير من المصريين المغتربين ومدى جدهم وتفانيهم في أعمالهم، وقدرتهم العالية على العمل بكفاءة تحت العديد من الضغوط وتحمل وتفادى الكثير من الصعاب، حتى أن معظم المتفوقين من الطلاب ومعظم الأوائل في النتائج الدراسية تجدهم غالبا طلابا مصريين، وكنت أتسائل كلما تأملت ذلك: لماذا يبدع المصريون بهذه الطريقة وبهذا القدر خارج الوطن وليس فيه؟ وماذا لو كان حالهم وأداؤهم هذا في الوطن؟.

ربما يبدع ويتميز معظم المصريين المغتربين لأنهم يعلمون واقعيا عن تجربة أن البقاء والاستمرار في العمل والترقي في المناصب وزيادة الكسب إنما للأفضل وللأكثر إبداعًاً وعطاءًا وبذلًا للجهد وتنفيذًا للتعليمات والتزامًا بالقواعد والمهام؛ فراحوا يبذلون كل طاقتهم للتحمل والتميز والعطاء والالتزام، وراحوا يعصرون تفكيرهم من أجل الإبداع والابتكار، واعتادوا باستمرار على تحديث معلوماتهم وتنمية مهاراتهم واكتساب القدرة على التعلم الذاتي المستمر للتكيف مع كل جديد ومستحدث في مهنتهم وأدوارهم الوظيفية، فأصبح الكثير منهم مبدعين ومتفوقين على كثير من الجنسيات الأخرى في بعض التخصصات وربما آلت إليهم إدارة بعض المؤسسات والمشروعات بكفاءة وإتقان.

إذن عندما يكون التنافس حقيقيًا، ومعيار التفاضل واحدا للجميع بناء على الأداء والعمل الجاد والإبداع والخبرات والكفاءات ينجح ويتميز ويصل إلى أعلى المناصب أولئك الذين لديهم القدرة على ذلك والعزيمة والصبر والتحدي، وفي المقابل يفشل أولئك الذين كان تعليمهم صوريا وشهادتهم فقط ورقية ليست عملية؛ فإذا نحينا المحسوبية والمعايير الشخصية في التمييز والحكم على الأداء واختيار الكفاءات ستكون النتائج مذهلة ومفيدة في تحقيق التنمية المستدامة ودفع

عجلة الوطن نحو التقدم والتطوير، الأمر الآخر هو “الانتقاء” حيث يتم انتقاء وجذب واستقدام الأكثر كفاءة، والأعلى تعليما وتقديرا، والأجدر على التميز والأداء بفاعلية، وهذا الأمر ربما يمثل فائدة ومنفعة على المدى القريب والبعيد لأصحاب تلك المؤسسات وأرباب تلك الأعمال في أوطانهم ولكنه على النقيض يمثل خطورة وخسارة على المدى القريب والبعيد على صالح الوطن الذي ربى وعلم ولكنه لم يجنى الثمرة الحقيقية من ذلك الزرع الطويل. فحين يهاجر الأكثر كفاءة والأعلى إبداعا والأقوى تحملا وصبرا؛ فهم يتركون فراغا وقصورا في وطنهم الأم وتفتقر بلدانهم إلى ما لديهم من مهارات وقدرات ومعرفة عاجلا أو آجلا. حيث تضيع الخبرات والقدرات مقابل استفادة مادية سيتم استهلاكها وإضاعتها بلا جدوى أيضا عاجلا أو آجلا. حيث يمكن تشبيه ذلك بالنوادي الرياضية غير الطموحة وغير المنافسة على البطولات والتي تفرغ فقط نجوما وتفرط فيهم بسهولة بالزهيد من المال لنوادي البطولات الذين يستفيدون منهم في حصد المزيد من البطولات ويكسبون من وراءهم أضعاف أضعاف ما دفعوا لاستقدامهم، أيضا يجد الكثير من المغتربين تقديرا نفسيا وماديا سريعا أضعافا مضاعفة لما لاقوه طيلة أعمارهم وسنوات خبراتهم لظروف اقتصادية واجتماعية متباينة هنا وهناك. فما يلاقوه المغتربون من تقدير مناسب وتوفير بيئة مشجعة على العمل والإبداع وتقديم كل الاحتياجات والمتطلبات الممكنة والمطلوبة لإنجاز الأعمال بكفاءة تجعل الغالبية مستمسكون بغربتهم حتى الرمق الأخير من حياتهم بسبب مقارنتها مع أوضاعهم السابقة أو المستقبلية في حال أويتهم إلى وطنهم الأم.

لو كان حال كثير من المصريين المغتربين في جدهم وتميزهم ومثابرتهم هو نفس حالهم في وطننا الأم مع توفير التقدير الملائم والبيئة المشجعة الداعمة لتغيرت خريطتنا التنموية والثقافية نحو الأفضل بمراحل سريعة. فأداء وإتقان وجودة وتحمل وإبداع المعلمين المصريين في الخارج لو كان بنفس الدرجة ويتلك الكيفية في وطننا لتخرج من تحت أيديهم الآلاف من أمثال زويل ومجدى يعقوب وفاروق الباز وغيرهم من النجوم الساطعة في قبة العلم والتميز العالمية. ولو تفانى الأطباء والمهندسون والحرفيون والعمال وغيرهم بنفس الدرجة لأصبحت بلادنا ياباناً آخراً وصرنا على رأس الدول

المتقدمة والمنتجة من خلال حسن استغلال واستثمار الطاقات البشرية التي لدينا.