> د. محمد عبد التواب الخطيب يكتب: الذكاءات المتعددة.. رؤية غير تقليدية | أسايطة

ما زالت هناك نظرة تقليدية تنظر إلى الذكاء باعتباره قدرة عقلية عامة، وأنه قدرة واحدة يمكن قياسها وتحديدها عن طريق معامل الذكاء، وترسخ اعتقاد لدى الكثير بأن قدرتنا الذكائية هي قدرة واحدة مفردة، وأن القدرة العقلية تكمن فقط داخل عقولنا، وأننا إما أن نولد أذكياء أو أغبياء ولا نستطيع أن نفعل الكثير لتحسين ذلك، وأن الذكاء الإنساني يمكن أن يقاس بطريقة أفضل عن طريق اختبارات الورقة والقلم لمعامل الذكاء العام.

ثم جاءت رؤية جاردنر للذكاء لتفند وتغاير ذلك المفهوم الضيق للذكاء، ويقرر ذلك Gardner  في أولى صفحات كتابه (أطر العقل  Frames of Mind) بأنه يريد أن يوسع مفاهيم الذكاء لئلا يشمل وفقط نتائج الورقة والقلم، ولكن أيضا معرفة المخ البشرى، ودرجة التأثير باختلاف الثقافات البشرية، ويوضح أن نظريته تتحدى النظرة التقليدية للذكاء التي تشربها معظمنا بوضوح سواء من بعض الاتجاهات التقليدية لعلم النفس أو من النصوص التعليمية أو العيش في ثقافات مطوقة بقيود قوية ذات نظرة تقليدية إلى الذكاء، وراح يبحث في توسيع نطاقات ورؤى علم النفس المعرفي والنمائي في الاتجاه نحو جذور المعرفة البيولوجية والتطورية من ناحية، والاتجاه نحو الاختلافات الثقافية في المقدرة والكفاءة المعرفية من ناحية أخرى، موضحًا أن الذكاء قد وسّع ليتضمن مجالًا واسعًا من القدرات الإنسانية ذات القيمة، ويشمل أولئك الذين لديهم مهارات وقدرات خاصة بالموسيقى والعالم الطبيعي وغيرها من القدرات المتعددة .

وأرى أن نظرية الذكاءات المتعددة لها أثر كبير في تطوير النظرة للذكاء الإنساني، وقد يمتد هذا الأثر مستقبلًا، حيث إن هذه النظرية تقرر أن الذكاء أكثر من كونه قدرة فردية للعقل الإنساني وأن هناك العديد من القدرات العقلية المستقلة إلى حد ما لدى الفرد لكل منها خصائصها الدالة عليه.

إذ يمكن أن يرى المتخصصون أفرادًا أكثر كفاءةً في مجالٍ ما عنها في جوانب أخرى، وأفرادًا كثيرين يظهرون قوى ذكائية لا تنعكس أو تتضح في قياسات اختبار الذكاء المعتاد، كما أن الاعتماد على التقييم الفردي واختبارات الذكاء يؤدى إلى إغفال الكثير من المواهب، حيث إن القدرة المعرفية البشرية يمكن وضعها بطريقة أفضل من خلال مجموعة من القدرات والمواهب والمهارات العقلية التي نطلق عليها ذكاءات.

ومن الذكاءات ما هو مرتبط بشيء أو موضوع مثل الذكاء البصري/ المكاني، والذكاء المنطقي/ الرياضي، والذكاء الجسمي/ الحركي، حيث يتم التحكم في هذه القدرات الذكائية وتشكيلها بواسطة الأشياء والموضوعات التي يواجهها ويتعامل معها الأفراد في البيئة.

ومن الذكاءات ما هو غير مرتبط بشيء أو موضوع مثل: الذكاءان اللغوي والموسيقي، حيث يعتمدان على الأنظمة اللغوية والموسيقية دون الارتباط بالعالم المادي، ومنها ما هو متصل بالشخص مثل الذكاء الشخصي، والذكاء الاجتماعي.

وتفتح الذكاءات المتعددة الباب أمام استراتيجيات تعليمية واسعة ومتنوعة، يمكن استخدامها في الفصل الدراسي، وتعطي فرصة للمعلمين لتطوير وتجديد استراتيجيات تدريسية تتماشى مع الفروق الفردية للتلاميذ واختلافاتهم الذكائية، وتظهر فائدة الذكاءات المتعددة التعليمية لأولئك الذين وصلوا إلى مرحلة السقوط والانحدار بسبب أسلوب التعليم التقليدي، وذلك من خلال إعطاءهم فرص المشاركة والاستمتاع بالتعلم والاندماج فيه.

لكن لا ينبغي أن نعتبر الذكاءات المتعددة هدفًا تربويًا في حد ذاتها، لأن الأهداف التربوية تعكس قيم المرء وتنبثق من مفاهيمه، وإنما يمكن أن تساعد مبادئ النظرية والممارسات التربوية المبنية عليها في تحقيق الأهداف التربوية.