من المعلوم بداهة أن كل مجتمع إنساني له حاجياته وضروراته التي لا يستغني عنها، وله أمراضه ومشاكله التي لا ينفك منها، والتي يحتاج معها إلى بيان أحيانا، وعلاج أحيانا أخرى، من أجل ذلك نشأت الخطابة منذ وجود الإنسان، واشتهرت وتداولها الفصحاء والبلغاء، فهي إحدى وسائل الأنبياء والمصلحين، وطريقة من طرق الصالحين المحسنين، وهي كذلك إحدى وسائل الشيطان، يلقيها بنفسه يوم التناد، ويوحي بها إلى أتباعه في دار الفناء، وهي من أهم وسائل الاتصال وأقدمها، ولا تزال تحتفظ برونقها، ويضئ مزهرها، إذ هي فن مخاطبة الجمهور ومشافهته بطريقة تجمع بين إقناعه واستمالته، إقناعه بصواب الفكرة والهدف التي يسعى لتوصيلها الخطيب، واستمالته لتحقيق ما يحثه عليه، والتي قد تدفع السامع إلى بذل نفسه فداء لما تأثر به، وترسا لما قد اقتنع به.

والخطابة تخاطب العقل، وتوقظ المشاعر، وتنقي المفاهيم وتصححها، وتعالج النفوس من الهلع واليأس، والجزع والضعف، وتقوم أساسا على ملاحظة دقيقة للواقع، وتزدهر بلا شك بالتجارب والمخاطر، فالخطيب كالطبيب يرى المرض ويشخصه، ويصف العلاج وينفذه.

وينبغي أن تكون الخطبة معتدلة ، لا تطول ولا تقصر، ولكن هي بينهما تكمن، فلا سآمة ولا ملل، ولا إخلال ولا شطط، وقد كان سيد ولد آدم نبينا- صلى الله عليه وسلم- يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لَأَحْصَاهُ»، وقد راعت ذلك وزارة الأوقاف فأحسنتْ، لكنها فرضت عقوبة على الخطيب إذا تجاوز الوقت، ولا أرى أن يكون ذلك إلا لمن شطّ، وكره الناس ذلك منه فقط.

وينبغي أن تجمع الخطابة كذلك بين مخاطبة العقل والروح، فلا تكون جافة كأنها درس طويل، أو تدفع الناس إلى نوم عميق، ولا تكون كلها جلدا للذات ورجما، حتى لا تدفع إلى القنوط تترى تترى.كما ينبغي أن تكون قائمة على منهجية صحيحة في المادة العلمية،  من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحاح، حيث لا أباطيل ولا منكرات، ولا مكذوبات ولا موضوعات؛ لأن الغرض إيصال فكر صحيح يصحبه عمل، وهذا جانب قصرت فيه الوزارة، وانظر إلى خطبها كم نسبة الضعيف والمنكرات فيها، فبعض خطبها تحتوي على أكثر من نصفها ضعاف ومنكرات، وأحاديث مخالفة لما في الصحاح، فالواجب عندئذ الاقتصار على الصحيحين وما صححه الأئمة النقاد؛ لنضمن معلومة قوية مشيدة الأركان.

كما ينبغي أن تخلو الخطبة من ذكر أسماء الناس بأعيانهم فهذا ممنوع، أو الدعاية السياسية فهذا أيضا محظور، وقد كان من هدي النبي – صلى الله عليه وسلم- أن يقول: ما بال أقواما يفعلون كذا ، كحديث” مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا..”، و” مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ..”، و” مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟

وينبغي أن تخلو كذلك من السفاهات، وتبتعد عن الأكاذيب والنكات، فالأمر جد خطير، ووعي الناس وعقلهم أمانة بين يدي الخطيب، وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وعليه أن ينوع خطبه كما ينوع أساليبه، وأن يراعي أحوال المخاطبين فتكون خطبه على أساس ذلك.

ومن هنا تأتي الخطبة الموحدة على خلاف هذا الأصل، نعم قد يكون للوزارة بعض الأسباب المقبولة، خاصة في مثل هذه الظروف العصيبة التي تمر بها مصرنا الحبيبة، ولكن كونها بهذه الصورة الحالية لا يمكن أن تدوم، إذ سرعان ما ستزول؛ لأنها تعلم الكسل والبلادة، وتميت الإبداع والتعلم.

والسؤال ما هي مقومات الوزارة بعد تنفيذ الخطبة الموحدة لمعرفة الخطيب القوي علميا؟ وعلى أي أساس سيوزعونهم على المساجد الكبيرة؟ وهل سيكتفون بالمسابقات، أو تقريرات المفتشين التي تفشو فيها المجاملات ليعرفوا ذلك؟ ولم لا تضع الوزارة كتابا أو كتابين يحتويان على خطب وموضوعات، يخير الإمام بينها ويتكلم في أي موضوع فيها، وعلى حسب حال المخاطبين يكون أسلوبه وطريقة كلامه، ويا ليت الوزارة تهتم بالأنشطة التثقيفية والرحلات العلمية للخطباء، وتختار أقواهم وتوصي بظهورهم في الإعلام، وتمنحهم المناصب المرموقة، والمساجد الكبيرة، كما تحافظ على أئمتها بالمتابعة الداخلية والخارجية لهم؛ للنظر في انتظامهم وعلمهم، وحمايتهم من الشكاوي الكيدية الموجهة إليهم، ولعلها قد أخذت بعض الخطوات المشكورة في هذا المضمار، لكنها غير كافية، وما زالت تحتاج إلى تضافر الجهود من الناصحين والمخلصين للرقي بها، حفظ الله مصر ، ودعاتها، وباركهم ونفع بهم، وجميع بلاد المسلمين.