سماد منقباد يدمر لعشرات السنوات صحة كل الكائنات الحية والدولة تتعامى عن حقيقته

سماد منقباد يدمر لعشرات السنوات صحة كل الكائنات الحية والدولة تتعامى عن حقيقته
كتب -

أسيوط –  فاتن الخطيب وعلا عوض:

 تبدو معاناة أهالى عدد من القرى التابعة لمركز الفتح بمحافظة أسيوط، وخاصة قرية جزيرة الأكراد، مع مصنع سماد منقباد المجاور لبيوتهم شديدة الوضوح: المصنع يؤثر على صحة كل الكائنات الحية في دائرة واسعة من محيط المصنع الذي كان ينظر إليه عند انشاءه باعتباره فتحا سينهض بالزراعة والصناعة والتشغيل في المنطقة، لكنه وبدقة حاضرة بقوة في ذاكرة الأهالي، وباقرار من المسئولين، ومنذ نحو عشر سنوات، اصبح بدخانه نذيرا بالمرض والموت، للإنسان والحيوان والنبات.

رواية الأهالي مؤكدة، رواية المسئولين متأرجحة، ووسط هذا التباين يحتاج الأمر لتعزيز الوعي العام بالقضية وملابساتها.

التحقيق التالي محاولة لابقاء سكان جزيرة الأكراد في دائرة الاهتمام والبحث فمصنع سماد منقباد يدمر صحة كل الكائنات الحية، والدولة تتعامى عن حقيقته بمسكنات لا تصلح ما دمره طوال عشرات السنوات:

الإنسان والحيوان والنبات

بداية يقول محمود مصطفى، أحد أبناء القرية:” وجود مصنع الأسمدة فى وسط المناطق السكانية هو من أكبر المشكلات التى تواجهنا بالقرية من ستينيات القرن الماضي، حيث افقدنا صحتنا، وخارت قوانا، بسبب الانبعاثات التي تخرج منه، وقد تقدمنا بآلاف الشكاوى، طوال تلك السنوات، لنقل المصنع إلي خارج الكتلة السكنية ولكن ما من مجيب!، ولم يتضرر سكان المنطقة فحسب بل إن كل المزروعات و الحيوانات تضررت أيضاً”.

تاريخ وجغرافيا

أما محمد على الشهير بالحاج بركة، 55 عاما، فيبدو عارفا بجوانب شديدة الأهمية والدقة، فهو يعرف جغرافيا اضرار المصنع، وتاريخه، ويقول:” المصنع سمي باسم قرية منقباد لأنها الأشهر، لكنه أقرب إلينا منها، ولا يوجد أى تأثير سلبى يسببه المصنع على قرية منقباد نفسها، إنما التأثير على الجزر القريبة منه فقط، وهى جزيرة الطوابية، جزيرة الأكراد، جزيرة العرقوبية، أما منقباد القرية الأم نفسها فلا يصلها سوى غازات بسيطة متطايرة لا تسبب ضررا  كبيرا علي الأهالي”.

ويضيف الحاج بركة:” يرجع وجود المصنع بالقرية إلى شهر مايو سنة 1960، وهو مقام على مساحة 35 فدانا، ويقطن تلك الجزر التى تفتك بها غازات المصنع أكثر من 20 ألف نسمة، ويعيش الأهالى فى المنطقة المجاورة للمصنع فى مأساة حقيقية، فأكثر من نسبة 80% منهم يعانون من أمراض: الربو، وارتفاع نسبة العقم بين النساء والرجال، ووهنت صحة الشباب والأطفال والكبار بشكل ملحوظ”.

ويخلص الحاج بركة:” لم تنل الآثار السلبية للغازات المنبعثة من المصنع من بنى الإنسان فحسب، بل امتدت إلى الحيوانات والنباتات؛ فلا يكاد الحيوان يكمل السنتين بعد مولده إلا وتسقط أسنانه كاملة، وكان نتاج زحف التلوث إلى النباتات، أن تعرض أكثر من 45 فداناً زراعياً بتلك العزب للبوار فلا تنتج نهائيا، وخسرت العزب ثروتها النباتية وثروتها الحيوانية ولم يعد أهلها يملكون أى شئ، فلقد قضى المصنع تماما على كل شئ، وحكم بالإعدام على الثلاث جزر من جميع النواحى وبلا أدنى رحمة”.

فلاتر المسئولين

جيرة المصنع علمت الأهالي كل خبايه، فيقول علي فاضل سليم: “المصنع بور أرضنا وبور صحتنا كمان”، ويضيف:” بالرغم من وجود فلاتر بالمصنع لتنقية الانبعاثات، لكنها لا تعمل إلا فى وجود المسئولين، حين يأتون للمتابعة، والمفاجأة أن هذه الفلاتر لا تكفى لتشغيل ربع وحدة بالمصنع، بينما المصنع به 4 وحدات، فحينما يكون هناك مسئول أو مراقب يتم إطفاء 3 وحدات، وتشغيل وحدة واحدة فقط لا تكفى، وبالرغم من أن هناك امكانية لنقل المصنع، إلا أن المسئولين لا يعيرون الموضوع اهتماما”.

الطفل عبدالمنعم محمود عبدالنظير، 5 سنوات، أحد أطفال القرية، حيث يسكن وأسرته في منزل من دور واحد خلف المصنع وهو نموذج صارخ لمدى تأثير المصنع على صحة الطفال بالأخص، ويقول والده، الذي لايجد عملا:” ابني يعاني من الربو وحساسية بالصدر، وكحة مزمنة، وحين تأتيه النوبة يرجع مافي بطنه، حتي يرتاح، وذهبت به إلي أطباء كثيرين، ولكن دون فائدة، وليس لدي المقدرة، لأترك منزلي، وأقيم في مكان آخر، بسبب ضعف إمكانياتي المادية، لأنني بدون عمل”.

ويضيف عبدالنظير:” مصنع السماد قضي على الأراضي المحيطة به، حيث كانت الأراضي الزراعية تنتج محاصيل بكميات كبيرة، ولكن الآن لا تنتج، وماحدث لمحصول القمح هذا العام خير دليل، حيث كان إنتاج فدان ونصف من القمح أقل من أردب قمح، بسبب تراكم الأسمدة علي الأرض وحرقها للمحصول”.

50 دعوى ولا مجيب

ولفت أحمد عثمان، بالمعاش، إلى أن بعض أهالي القرية كانوا يربون الجمال والمواشي،” لكن للأسف المصنع تسبب في القضاء عليها، وعلى الأراضي الزراعية، حيث كان الفدان ينتج 21 أردب من القمح، ولكن تسبب مصنع السماد في قتل الأراضي، حيث ينتج الآن الفدان أقل من أردب واحد، والماعز تساقطت أسنانه، بسبب الكيماوي”.

ويضيف، محمود علي، مندوب مبيعات:” الأهالي حرروا محاضر ضد إدارة المصنع، بسبب قتل المواشي وتصحر الأراضي، وجاء إلى القرية خبراء وأدوات ومعامل من جامعات أسيوط والقاهرة وقناة السويس، وقامت بعمل أبحاث وقمنا برفع أكثر من 50 دعوة قضائية ضد المصنع بسبب تضررنا، ولكن لم نجد أى استجابة”.

البيئة: كان لكنه لم يعد موجودا الآن

من جانبه قال الدكتور نادر شحاتة، رئيس جهاز شئون البيئة بمحافظة أسيوط:” قدم الأهالي العديد من الشكاوى ضد المصنع، وخاصة فى يناير 2011، حيث حدث تسرب لغاز ثانى أكسيد الكبريت، وتسبب فى اصابة العديد من الأشخاص بأمراض الصدر وأمراض الرئتين والفشل الكلوى، مما أدى بالسكان المجاورين للمصنع إلى القيام بالعديد من المظاهرات والمطالبة بنقل المصنع من مكانه، وتم تحرير محضر مخالفة بيئية له”.

ويضيف شحاتة:” الفترة من 2004 إلي 2006 هى أكثر فترة تم تحرير مخالفات بيئية للمصنع، حيث لم يكن مطابقا للمواصفات والقوانين البيئية، إلا أنه لم يحدث أى وفيات بسبب تلك المخالفات”.

ويجزم، شحاته، بأن المصنع فى الفترة الأخيرة، منذ يناير 2011 وحتى الآن، لم يسبب أى ضرر بيئى، حيث أجريت له دراسة حديثة من قبل هيئة الرقابة الإدارية فى شهر مايو الماضى، وجاء نتائج العينات الناتجة عن المصنع مطابقة لقانون البيئة، مشيرا إلي أن المصنع يخضع الآن لهيئة الرقابة الإدارية وقوانينها.

وأكد رئيس جهاز شئون البيئة، أنه تم انشاء وحدة غسيل للأتربة الفوسفاتية بالمصنع، وتم أيضا تركيب أبراج المحامص التى تعرف باسم المجففات، كما تم تركيب فلتر حقائبى، وهو أحد أنواع المرشحات القادرة على تصفية الأتربة من الأضرار التى يمكن أن تنتج عنها، وتم تشغيله فى يناير الماضى، لاستكمال منظومة فصل الأتربة وتنقيتها.