“صباح” صانعة الكليم العدوي: الفقير بيتغطى بيه والشبعان بيفرشه

“صباح” صانعة الكليم العدوي: الفقير بيتغطى بيه والشبعان بيفرشه

تصوير: أحمد دريم

سيدة في الستين من عمرها، إذا أردت الوصول إليها عليك أن تطرق تلك البوابة الخشبية التي ذبلت أخشابها من طول الزمن ثم تسير في طرقة ترابية ضيقة،  بالكاد تكفى خطوات قدميك وفور انتهائها تجد باب المنزل مفتوحا على مصراعيه، وأول ما يستقبلك نول الكليم العدوى منصوبا، وقد شُدت به الخيوط وحوله مجموعة من البطات الصغيرات تحوم حول النول لتؤنس مربيتهم في وقت عملها.

إنها صباح صالح تادروس، من قرية بني عدى التابعة لمركز منفلوط في أسيوط تلك القرية التي تشتهر بصناعة الكليم العدوى ويتقن هذه الحرفة غالبية أهلها، فهي تراث عدوى يحرص أهلها على عدم اندثاره.

تصوير: أحمد دريم

دخلنا منزل صباح الصغير بعد ترحاب شديد منها لنجد الباب عبارة عن صاج مثبت بأخشاب ومن شدة صغر المنزل لم يستوعب فريق العمل فهو منزل قروي بسيط تفوح من جوانبه روائح العتاقة والقدم وبساطة الحال وقد خلى من كل ملامح الحياة.

متوارثة

جلست صباح بجلبابها القروي الأسود أمام النول لتبدأ الغزل وبرفقتها زوجة ابنها لتروى لنا رحلة حياتها قائلة: ورثت هذه الحرفة من أبى وأمي فهي مهنة متوارثة بقريتنا عن الأجداد وأعمل بها منذ عمر السادسة عشر، وهى مصدر رزقنا، “هي صناعة تعودت عليها واشتغل أحسن ما أمد إيدي لحد”.

تتابع: تُوفى زوجى منذ سنوات وترك لى سبعة أبناء أربع بنات وثلاثة أولاد “ربيتهم وكبرتهم وجوزتهم كلهم” وكل ذلك من عملي في صناعة الكليم، وأنا أعمل بالأجر حيث يجلب لي صاحب الكليم كل شيئ من صوف ونول وأدوات ومهمتي هي الغزل فقط فأنا لا أملك ما يدعمني لأوفر الأدوات اللازمة للصناعة.

أدوات

من خلف خيوط الصوف المنتصبة على النول تستأنف صباح حديثها: أدوات الصناعة عبارة عن نول من الخشب مثبت بمسامير، وعفاسة وهى قطعة خشب طويلة وسميكة نضعها عند قاعدة النول ونحن نغزل حتى تثبته فى مكانه “العفاسة بتخلى الحاجة تطلع مظبوطة”.

 ثم نثبت خيوط الصوف في المسامير المثبتة في الخشبة أعلى النول وأسفله لنصنع الجداد والسدوة، والصوف يتم غزله على مغزل ثم ينتج منه الصوف للصناعة فصاحب الأكلمة يأتي لي بالخيوط جاهزة “الصرف بيتبرم على معزل وبيتبخ بالميه وبعدها ينشف وبعدين نشده على النول ونثبته بالمسامير فنعمل الجداد والسدوة”.

ثم نبدأ في النسيج، والرسومات تكون بعدد الخيوط وكل عدد من الخيوط يخرج شكل معين “بعد الخيوط وبعدها أرسم هلايل”، وبعد غزل الشكل نضغط عليه بالخلالة لتثبيت الرسم وضغطه لأسفل وشده.

والصوف يأتي ألوان على حسب لون الخروف أحمر وأسود وأبيض ونستخدم جميع الألوان فى الكليم، وأنا أصنع الكليم الصغير وهناك أكلمة أكبر والصغير يصلح للدكك والأسرة وفرش الأرض “الناس الشبعانة بتفرشه فى الأرض لكن الغلبان بيتغطى بيه”.

غير مربحة

وعما إذا كانت الصناعة مربحة قالت: “يادوب مخلياننى أعيش ساعات بتمر عليا شهور مش بلاقى أجيب كيلو اللحمة”. فصاحب الكليم يحاسبنا بالرطل والرطل الواحد ثمنه ثلاثة جنيهات والسجادة 10 رطل.

وطوال فترة الغزل كانت هناك يد أخرى ترافق خطوات صباح فى الصناعة وحولها حكت لنا: زوجة ابنى الأكبر تساعدنى فى الصناعة كما ترون، فرغم قلة الربح إلا أنها لنا تراث ومصدر حياة.

الحلم

كانت صباح تحدثنا طول جلستنا ولم ترفع عينيها من على النول، كانت كلماتها  تتدفق لتفسح لنفسها مكانا لتتسلل إلينا من خلف أشرعة الخيوط، وعن أحلامها المختبئة بين ثنايا الصوف والتي امتزجت بأخشاب النول حتى تعتقت قالت لنا: “بس ربنا يدنى نور عنيا بالدنيا كلها”.

الوسوم