“صليبة العدر”.. عزبة أسيوطية محرومة من أبسط مُقومات الحياة

“صليبة العدر”.. عزبة أسيوطية محرومة من أبسط مُقومات الحياة
كتب -

أسيوط – فاتن الخطيب وحسن شعبان:

تصوير- دعاء محمود

حينما تدخلها تشعر أنك تتوغل فى أعماق الخلاء، حيث لا منشآت حكومية ولا منازل فارهة ولا طرقات تلفت النظر، ولا شيئ يأخذ عينيك سوى “مصاطب” على مدخلها تحت ظل الأشجار أنشأها الأهالى للوقوف انتظارًا للسيارات، لأنهم يقفون بالساعات على حد قولهم.. شكى من التقينا بهم من أهالى عزبة “صليبة العدر” خلوها من أى خدمة تذكر.

بلا مخبز

على مدخل العزبة كان صابر عبدالحفيظ، بالمعاش، جالسًا تحت ظل شجرة فى طريق ترابى باهت المعالم فاقد الهوية، عن احتياجات العزبة يقول: ينقصنا كل شيئ وعلى رأسه المخابز، فليس لدينا ولا مخبز واحد، ونظل نتجول بين القرى بحثًا عن رغيف الخبز بين المخابز التى لا تكفى سكان قراها أصلا، ونضطر فى النهاية للنزول إلى مدينة أسيوط وعلينا ساعتها الانتظار بالساعات على الطريق، فليس لدينا موقف سيارات ومن الصعب أن نجد مكانًا خاليًا فى السيارات القادمة.

ويستكمل: غالبية الأهالى بسطاء ولا يوجد زمام زراعى بمعنى الكلمة، ولا يستطيع الكثيرون توفير رغيف الخبز أو القمح كبديل، وأنا عن نفسى صرت أستبدل الخبز بالمكرونة لأولادى عندما أعجز عن توفيره.

 

معاناة الأطفال

أما مصطفى محمد، عاطل، فيقول: الخبز نضطر لشراء الخبز السياحى، وهو غالى الثمن ولا يستطيع الجميع الحصول عليه.

ويضيف محمد نصر، فلاح: أقرب مخبز للصليبة يبعد 3 كيلومترات، وحينما نصل إلى هناك تكون الأولوية لأهل البلد، وفوق ذلك على الطفل لكى يحضر لأهله رغيف الخبز أن يستيقظ مع آذان الفجر حتى يستطيع اللحاق بوسيلة مواصلات، أو يقطع المسافة سيرًا فى طرق غير آمنة، وبعدما يقف بالساعات يعود لعائلته بخفى حنين، مع العلم أن هذا الطفل يفوته موعد المدرسة التى هى بحاجة لوسيلة مواصلات غير متوفرة من الأساس. نحن نحيا فى مأساة متكاملة الأركان.

 

مشكلات أخرى

الخبز ليس مشكلة العزبة الوحيدة، بل تطفو على السطح مشكلات أخرى، فيقول سليمان عبدالرسول، طالب بكلية الحقوق: نحن فى أمس الحاجة لوحدة صحية “اللى بيلدغه عقرب ممكن يموت” على المرضى منا أن يذهبوا إلى الوحدات الصحية بالقرى المجاورة أو أسيوط، وفى كل الحالات لا توجد مواصلات مسعفة لنا، فنحن ننتظر بالساعات، كما أن العزبة خالية تمامًا من المدارس.

 

بحاجة لمدرسة

وفى طرقات ترابية ضيقة تجولنا فى الصليبة ليرشدنا الأهالى إلى مبنى غير مكتمل البناء طالبوا أن يدرج كمدرسة.

ويشير سيد نصر على، سائق، إلى أن العزبة تخلو من المدارس بشكل تام، والأطفال يقاسون الويل كل صباح للذهاب إلى المدرسة، فعلى التلاميذ من رياض الأطفال وحتى الثانوية العامة، أن يذهبوا إلى مدارس منقباد، وبهيج، وبنى حسين، والعدر، وعلى التلميذ فى الصف الأول الابتدائى أن يستيقظ بعد الفجر مباشرة ليلحق بسيارة على الطريق، قد يجدها وقد يظل واقفًا فى طابور الانتظار فوق الساعة، أو أن يتعلق فى سيارة ربع نقل وهو وقدره فقد يسقط قتيلا، وكم من حوادث وقعت جراء ذلك الفعل.

 

تسرب من التعليم

ويضيف: نصطحب أبنائنا للمدرسة كل صباح ونذهب لإحضارهم بعد انتهاء المدرسة بسبب المواصلات، فلا نأمن عليهم استقلال المواصلات وحدهم، ولكم أن تتخيلوا طفلًا يقطع مسافات هكذا ذهابًا وإيابًا كيف سيكون حاله بعد العودة إلى المنزل، بالطبع سيكون منهكًا متعبًا وخاصة فى المدارس ذات الفترتين، بل إن ذلك أدى إلى التسرب من التعليم، فملل الأطفال من “البهدلة” كل صباح جعل البعض منهم يصل للصف الثالث الإبتدائى ويتوقف عن الذهاب للمدارس.

واصطحبنا سيد نصر إلى مبنى خصص الدور الأسفل فيه كمسجد، وجعلنا نتجول فى جنبات الدور الثانى قائلا: هذه المبنى تبرعت سيدة خيرة بقطعة الأرض التى بنى عليها، بل ساهمت معنا فى بنائه وجميع أهل العزبة اشتركوا فى هذا البناء ومن لم يتبرع بالمال تبرع بالجهد والوقت، وكنا نحمل الرمل والطوب على أكتافنا حتى بنيناه بهذا الشكل، واليوم نتمنى أن تضم هيئة الأبنية التعليمية المبنى كمدرسة وبهذا ستحل مشكلة أطفالنا على قدر الإمكان، فلو التحق الطفل فى المرحلة الابتدائية بمدرسة قريبة سيكون الأمر أبسط عليه فى التنقل فى المرحلة الإعدادية.

 

لنا الله

وفى ذات النقطة يقول محمد نصر، عند التقديم لأطفالنا بالمدارس نتجول بين مدارس القرى، هذه تقبل وهذه استكفت، وحتى الحضانة معظم أطفال الصليبة لا يلتحقون بها، فمن يملك المال يلحق أطفاله بحضانة فى أى قرية مجاورة ويوفر لهم وسيلة المواصلات الخاصة، ومن لا يملك فله ولأطفاله الله.

ويضيف: أطفال العزبة صاروا يكرهون التعليم بسبب معوقات الذهاب للمدرسة؛ وأولها الاستيقاظ المبكر وعدم وجود وسيلة مواصلات “العيال اتعقدت”.

ويستطرد: “أولادنا مش عارفين يكتبوا اسمهم”، فنظرًا للتأثير السلبى لطول رحلة الذهاب إلى المدرسة وانتظار المواصلات والاستيقاظ المبكر صار الأطفال يفقدون تركيزهم تمامًا، ويفقدون الشهية للتحصيل، وفوق ذلك فسائقو الميكروباصات يرفضون التوقف للأطفال على الطريق، والسيارات تأتى مكتظة عن آخرها ولا مكان فيها لأحد.

 

مركز شباب

ويطالب أحمد ثابت، خريج شريعة وقانون، بإنشاء مركز شباب، موضحًا: لدينا بالعزبة مواهب رياضية شابة تموت كل يوم لعدم وجود مكان تمارس فيه هوايتها، ولكى يمارسوا أنشطتهم يضطرون لاستئجار الملعب بصالة البولينج بتكلفة 70 جنيهًا للساعة، وهى ساعة كل يوم خميس، ويقومون بتقسيم المبلغ على بعضهم إن استطاعوا الدفع.

ويتابع: حتى لو ذهبوا لمراكز شباب بقرى مجاورة تكون الأولوية لابن القرية، وعلى ابن الصليبة أن يذهب بعد ميعاد يسبق تحديده أولا، ويكون ضمن فريق، فالطفل العادى ليس له أى أحقيه أن يذهب بمفرده لممارسة أى نشاط رياضى من أى نوع.

 

ظلام وتلوث

وعن الإنارة يقول أحمد محمد، سائق: بعد العشاء تحيا العزبة فى ظلام تام، فلا يوجد لدينا ولا كشاف واحد بأعمدة الإنارة، مما ساهم فى انتشار أعمال السرقة والبلطجة، ولا يستطيع أحدنا الخروج من منزله بعد غروب الشمس، تجنبًا لأعمال الخطف والبلطجة وبخاصة للأطفال.

وعلى أحد جوانب العزبة توجد ترعة صغيرة، يشكو الأهالى أنها ملوثة، ويقول سيد نصر: كنا نزرع ونأكل من غرس أيدينا، وفى رمضان لم نكن نشترى أى فاكهة من الخارج، ولكن اليوم ماتت مزروعاتنا لفساد مياه الرى، التى تلوثت بسبب تصريف سيارات الكسح لمياه الصرف الصحى بالترعة الرئيسية، وفوق ذلك قيام الأهالى بعمل صرف مباشر بمواسير على الترعة، كما يشكو الأهالى عدم مرور أى سيارات نظافة بالمرة على العزبة.

المسؤول يرد

ويرد على شكاوى الأهالى علاء شعبان، رئيس الوحدة المحلية لمنقباد: سيتم مراجعة أعمال الإنارة بالعزبة، ويمكن تفعيل مشروع جمع القمامة من خلال جمعية، مع إمدادهم بالمعدات اللازمة، أو يقوم الأهالى بعمل تجمع للقمامة فى مكان محدد وسيرفع على الفور.

 نحن نمر بشكل دورى لجمع القمامة من جميع الأماكن.

وبخصوص مواسير الصرف يقول شعبان: نرجو من المواطنين مساعدتنا فى إبلاغنا باسم المتسبب، فنحن نستطيع اكتشاف البعض منها فى وقت السدة الشتوية للترع والمصارف، لأن هذه المواسير تنزل تحت المياه، وفور معرفتنا بالمتسبب نحرر محاضر فورية، أما سيارات الكسح فهى تعمل ليلا ولا نتمكن من رؤيتها أثناء تصريف الصرف بالترع.

وحول مشكلة رغيف الخبز يعد شعبان: فور تدبير كمية الدقيق المناسبة سيتم تنفيذ مشروع الاشتراكات لجميع الأسر.