“عبدالعال” مُعاق منذ ولادته تعوله أخته.. ويحلم بكرسي متحرك

“عبدالعال” مُعاق منذ ولادته تعوله أخته.. ويحلم بكرسي متحرك

 

مكانٌ لا يرقى لمسمى منزل ولا يحمل سوى جدران هاوية نصفها بلوك والنصف الآخر طين، على مدخله ترى العم عبدالعال جالسا تحت “ضليلة” من سعف النخيل مسقوف به الممر المؤدى للمنزل، حيث مقره الدائم فى وسط النهار على حصيرة مخططة الألوان متآكلة متهاكلة، فهو منفذه على الحياة ومصدر فسحته الوحيد ليجلس في مواجهة المارة يرمق خطاهم في الوقت الذي يعجز فيه هو عن الحركة إذ أنه مصاب بشلل في القدمين منذ مولده.

ولد عبدالعال السيد أحمد في العشرين من مارس عام 1953 بقرية النواورة بمركز البدارى، وأبت الأقدار أن يأتي للحياة بمفرده فاصطحبته إعاقة في القدمين أردته قعيدا طيلة عمره.

الحكاية

“كنت بمشى شوية مسنود على زقلة بس من 30سنة وأنا عاجز خالص”، لخصت هذه الجملة حال العم عبدالعال ليستكمل واصفا حالته: منذ ولادتي وأنا أعانى الإعاقة ولكن كنت أتوكأ على عصا وأسير قليلا وبصعوبة لكن الحال كان أفضل نوعا ما ولكن منذ ثلاثين عاما مضت تدهورت حالتي وصرت عاجزا بشكل تام حبيسا لمكاني.

النجدة

عجوزٌ مُسنة نحيلة الجسد طويلة القامة هي الأخت الأكبر لعم عبد العال، إنها “نجدة” وكأن قدرها وقدر أخيها اُختذل في اسمها فهي النجدة لأخيها من بين براثن الحياة الطاحنة ولولا وجودها لافترسته الوحدة ودمره العوز والاحتياج.

تسلل صوتها ليخترق حديث أخيها قائلة: أنا البنت الوحيدة مع ثلاث إخوة ذكور وبعد وفاة والدتي رفضت الزواج تماما من أجل أخي، فمن يعوله إن أنا تركته ورحلت؟، أخي لا يتحرك تماما وأفنيت عمري لأجله فليس له أحد غيري وإخوته الذكور كلٌ يجرى على حاله فمشاغل الحياة وصعوبتها أغلقت الأبواب على أصحابها وحالة أخي شديدة وبحاجة لرعاية تامة فاخترت أخي ووهبت له عمري وسأكمل رحلتي معه.

لا شيئ يتحرك به سوى يديه وحتى حركة العينين تستحتي أن تُغير مسارها في اتجاه آخر بخلاف الشارع لتسترق نظرات حياة من المارة تخفف عنه محبسه الجسدي وعزلته.

يتابع العم عبدالعال: لم أتزوج وليس لدى لا زوجة ولا أبناء، أختي هي من تعولني وتتولى مهام المأكل والمشرب وهى تقاسى “أنا تعبتها”، ففي مرضى هي من أستند عليه لأركب السيارة أو التوك توك للذهاب للطبيب، وأتقاضى معاش 320 جنيها وأختي مثلهم ولكن هذا لا يكفينا فمصروفات العلاج وحدها تتطلب مبلغ أكبر من معاشنا سويا.

بيت خالٍ

بين جردان طينية وتحت سقف معقود من جريد النخيل الزابل وعلى أرض ترابية يبيت عبدالعال ونجدة، فى مكان لا يحوى إلا لمبة واحدة ووابور غاز قديم، وعلى اليمين تستقبلك غرفة مظلمة لا تصلح إلا مرتعا للعقارب والثعابين وبها يُعلق حبل لنشر ملابسهم المتهالكة، وأول ما يستقبلك فى مدخل البيت كرسي متحرك قديم ومتكسر ومتهالك عفي عليه الزمن حتى غاصت عجلاته فى أرض المنزل.

يستأنف العم حديثه: البيت خالى من كل شيئ ولا تصل إليه المياه فأختي هي من تملأ المياه من عند الجيران ولا يوجد لا غسالة ولا ثلاجة ولا تليفزيون ولا حتى دورة مياه فنقضى حاجتنا في هذا المكان، مشيرا في أسى تجاه جزء ترابي مُحاط بساتر طيني على آخر المنزل الصغير لا توجد به حتى لمبة إضاءة وهو ليس بدورة مياه إنما هو أرض ترابية مسطحة، ويعاود حديثه موضحا أنه كان يملك قديما كرسيا متحركا ولكنه تهالك ومن يومها وهو لا يتحرك خطوة أكثر من الجلوس فى مدخل منزله.

وحول كيف يقضى حياته طالما المعاش لا يكفى أجاب بابتسامة رضا صاحبتها حركة يد كادت تطاول السماء “أهى بتفرج”.

وعن الأمراض التي يعانى منها أجاب: “معرفش بيقولوا المعدة ومعرفش إيه فى المعدة وباخد حقن”، وتباغتنى شكة فى قلبى وأعانى كثرة الأملاح.

على طبلية خشبية تتراص أطباق متهالكة من الألومنيوم مُغطاة بتراب خفيف وتحت أحد الأطباق طبق صغير يحوى جبن قديم مخلوط بفلفل ذائب من “المش” كان هذا طعامهم في أغلب أيامهم كما وصفت الخالة نجدة أخت العم عبدالعال.

أمنيات

اختتم العم عبدالعال  حديثه ساردا أحلامه بقوله: “نفسي فى كرسي بعجل أتحرك بيه، ونفسي أدخل ميه للبيت وعايز من ربنا مساعدة أعيش بيها مش عايز أكتر من كده”.

 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

الوسوم