“عزبة الجبل”.. قرية أسيوطية يحلم أهلها بتملك منازلهم

“عزبة الجبل”.. قرية أسيوطية يحلم أهلها بتملك منازلهم
كتب -

أسيوط – فاتن الخطيب، حسن شعبان:

تصوير: أحمد دريم

فى أعالى الجبال، وتحت لهيب الشمس المحرقة، وبين براثن الصخور فى ظلمة الليل الجبلي.. يعيش أهالى عزبة الجبل بدرنكة حياة صعبة، حيث أجبروا على حمل متاعهم منذ سنوات بعيدة، تاركين العمران، وفضلوا حياة العزلة بعيدًا عن العالم، حفاظًا علي الرقعة الزراعية، آملين فى أن تمنحهم الدولة حق ملكية منازلهم.

ظروفهم المادية القاسية جعلت “ولاد البلد” تصعد إليهم الجبل لتتعرف علي شكل حياتهم في ظل هذه الظروف القاسية من خلال هذا التحقيق.

أخطار الطريق

فى مهبط يوصل للعزبة درجات سلمه عبارة عن صخرتين صغيرتين كان عم عبدالعال سيد، يجلس أمام بيته وعقب علمه بأننا صحفيين صاح بشدة وبدون أية مقدمات: “عايزين نتملك بيوتنا عشان محدش يتعرض لنا ويقولنا إشغال طريق”.

يقول: منذ عام 1974، ونحن ندفع إيجار تلك الأرض والسيارات تهبط من أعلى الجسر الرئيسى وتدخل علينا المنازل وطوال الوقت  يقتلنا القلق على أطفالنا، ويختتم حديثه بجملة: “إحنا شقينا العمر كله.. كفاية بقى شق”.

ضعف إمكانيات

يقول محمد عبدالغني، موظف بشركة المياه: “الناس اللى سكنت الجبل مجاتش هنا إلا عشان ظروفها تعبانة أصلاً”.

يتابع: هذه المنطقة المليئة بالمنازل أمامكم كانت صحراء جرداء منذ سنوات طوال، رفض أجدادنا التعدي على الأرض الزراعية فصعدوا الجبل وبدأوا فى بناء منازلهم، واليوم ترفض هيئة أملاك الدولة أن تملكنا هذه المنازل التى تم ربطها على أسمائنا بالفعل، وهذا هو أبسط حقوقنا، فنحن تركنا الأرض الزراعية خوفًا على مستقبلنا الزراعي وتحملنا ويلات تلك الحياة الوعرة فى أحضان الجبل الذي لا يعرف الرحمة أيكون هذا جزاؤنا؟

ويضيف: فى قرية دير درنكة أرض أملاك دولة، وباعت الدولة الأرض بسعر خمسة جنيهات للمتر، ونحن نطالب بالمساواة بهم، وتملكينا منازلنا بأجور رمزية لأن “الناس هنا غلابة قوي ومعاهومش فلوس”.

بدون إنذار

يضيف عبدالمحسن عنتر، لا يعمل: الناس هنا بسطاء وإمكانياتهم ضعيفة، وكثيرون لا يستطيعون دفع الإيجار السنوي حتي تراكمت الديون عليهم، ووصلت 10 آلاف جنيه علي البعض، كما أننا فوجئنا بارتفاع القيمة الإيجارية للمتر.

يستكمل: “لو كنا نعرف كده من الأول كنا بنينا على أرضنا الزراعية أو في أي مكان تاني لأننا بكده مأخدناش غير البهدلة”.

ويوضح صابر رفاعى، مدرس، قائلا: فى البداية كان إيجار المتر 15 قرشًا فى السنة، وفجأة ارتفعت القيمة الإجارية إلى 135 قرشًا دون أن يتم إنذارنا بالأمر، مع العلم أن هذه الأماكن كانت مهجورة ونحن من عمرّها وأعتقد أنه من حقنا تملك ما عمرناه.

ويضيف محمد علام، موظف: “كنا نطلع ميتين من الأرض أثناء تعميرها، وبنينا البيوت على حسابنا وطالبنا المسؤولين أكثر من مرة بتمليكنا منازلنا، لأننا لا نجد قوت يومنا ولا نملك دفع الإيجارات المتأخرة”.

ويقول سامي عبدالعزيز، لا يعمل: “طلعت لقيت أبويا من أربعين سنة بيدفع إيجارات بس النهاردة الإيجارات تراكمت علينا ومش قادرين نسدد وكل شوية يطالبونا بالسداد إحنا عايشين مهددين”.

يكمل: هذه الأرض مقسمة ما بين الإصلاح الزراعي وأملاك الدولة، والقطع التى تدخل فى نطاق الإصلاح الزراعي تم تمليكها بالفعل لأصحابها وتم بيع المتر بـ 13 جنيهًا، أما منطقتنا فهى تدخل فى نطاق أملاك الدولة “والهيئة مش راضية تبيع لنا ولا نعرف السبب في ذلك”.

يصمت قليلًا ثم يشير إلى أحد المنازل ويقول: انظروا إلى هذا الشرخ الكبير فى حائط المنزل الذي يكاد يظهر ما خلفه! إنه تصدع بسبب الأرض الجبلية وكل منازل العزبة تصدعت بشدة.

ويضيف سيد تمام، موظف: “إحنا وفرنا للدولة كتير ومتعدناش على الزراعة وفى ناس ساكنة فى مناطق لا تصلح للبشر طيب مش راضيين يملكونا ليه؟”

سددنا ولم نتملك

يقول محمد محمود، خفير: قدمت طلب تملك للمحافظة، فطالبوني بتسديد الإيجارات المتأخرة، وبالفعل سددتها منذ سنوات، وإلى اليوم لم أتملك أي شيء ولم يصدر قرار تمليك.

ويؤكد سيد عبد العال، موظف، أن هناك مدرسات من قرى مجاورة لا يستطعن السير في الشوارع بمفردهن، “بياخدوا العيال يوصلوهم للطريق، وإحنا عايشين حياة صعبة فى مكان كله خطر”.

الدواب وسيلة المواصلات

فى بداية العزبة مدخل منخفض وخطوة بخطوة تجد نفسك تصعد إلى أعلى، تتسارع دقات قلبك وتكاد تتوقف أنفاسك وأنت تصعد ويداهمك دوار وأنت ترى قرى كاملة أسفل منك.

فى رحلة صعودنا بين منازل متدرجة فى العلو وشوارع يغتالها الضيق، شاهدنا حمارًا يحمل مواد بناء وهو لا يستطيع التقاط أنفاسه.

يقول عدد من الأهالي: نحن فى عام 2014 ولا نملك فى العزبة سوى الجمال والحمير وسيلة للمواصلات فهى الوحيدة القادرة على صعود الجبل والسير فى شوارعها الضيقة.

يكملون حديثهم: لو أراد أحدنا بناء بيت فلا سبيل أمامه لتوصيل الرمل والطوب والزلط سوى الجمال، والنقلة الواحدة على ظهر الجمل تكلفنا 200جنيه، ونظل يوما كاملا فى انتظار انتهاء الجمل من أعمال التوصيل.

ويتابعون: الصعود للمنازل صعب ومرهق وأطفالنا يعيشون حياة صعبة جدًا ويتعرضون لمخاطر قد تودى بحياتهم فى تسلق الجبل للصعود أو فى الهبوط أو حتى فى أوقات اللعب.. نحن نعيش على أعصابنا وهواجس السقوط من أعلى الجبل لا تفارق خيالنا.. “احنا وعيالنا على كف الرحمن”.

وبسؤالنا عن كيفية نقل المرضى وبخاصة من يخضعون لعمليات جراحية يقول بعض الأهالى: لا سبيل أمامنا سوى الحمار فهو بديل سيارة الإسعاف، “في حتت فى الجبل عشان نوصلها بنطلعها على إيدينا”.

انقطاع المياه

يشكو أهالي بالعزبة من انقطاع المياه فيقولون: “الميه مقطوعة على طول والشركة بتحاسبنا كل شهرين، وبتاخد سبعين جنيه طب على إيه؟”

ويضيفون: لدينا مواسير وصنابير ولكن بلا جدوى فالارتفاعات الشاهقة أثرت على وصول المياه إلينا، والحل الوحيد هو نزول أطفالنا إلى القرية الأم درنكة  لكي “يخبطوا على بيوت الناس ويجيبوا ميه”، ونلجأ إلى تخزين كميات كبيرة من المياه في خزانات.

ويقول محمد عبدالغني، موظف بشركة المياه: “إزاى هطالب الناس بدفع فاتورة الميه وهما مش بيلاقوها أساسا؟”

الكهرباء

انقطاع الكهرباء أمر مزعج للكثير من أهالي العزبة:” النور بيقطع بعدد طقات الأكل كل طقة ساعتين”، والكشّاف (الموظف الذي يسجل بيانات عدادات الكهرباء) لا يأتى وفجأة نجد مبالغ كبيرة متراكمة علينا، وفوق كل ذلك فالمنطقة جبلية وانقطاع النور بها يسبب أزمة، فالجبل يحوي زواحف وحيوانات مفترسة يمكن أن تهاجمنا وتفتك بأطفالنا فى أى لحظة، كما أن الظلام يشجع على اختباء المجرمين بهذه المناطق، كما أن أجهزتنا الكهربائية تتعرض للاحتراق.. واغالبية الناس هنا بسطاء لا يملكون تعويضها.

ويختتمون حديثهم:”نشكر دولة الصين اللى وفرت لنا الكشافات ونشكر شركة الكهربا اللى معتماها علينا”.

طوابير العيش

وعن رغيف العيش يقول الأهالي: “طابور العيش أكبر من طابور المدرسة”، والمخابز لا تعمل إلا ساعتين ولا توجد أى رقابة من التموين والخبز يوزع بالمحسوبية، وطالبوا  في نهاية حديثنا معهم بوحدة إسعاف ووحدة مطافئ لأن ظروف المكان تستوجب ذلك.

رد المسؤول

من عزبة الجبل إلى مكتب أحمد قطب، مدير حماية أملاك الدولة بأسيوط، وردا على شكوى الأهالي من عدم تملك المنازل يقول: منذ فترة قريبة قمنا بعمل حصر وتم ربط المنازل بالفعل بهذه المنطقة على أسماء الناس وعلى من يرغب فى الشراء التقدم بطلب شراء إلى أملاك الدولة بالمحافظة، ولكن بشرط أن يكون المنزل مربوطًا على اسمه، وسيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة، أما من لم يتم ربط منازلهم فعليهم أن يتقدموا بطلب ربط أولاً ثم بعد الربط تبدأ إجراءات الشراء.

 

عزبة الجبل فى سطور

الوحدة المحلية: درنكة

القرية الأم: درنكة

عدد السكان: 56 ألف نسمة

المساحة الزرعية: 2975 فدانًا

المساحة السكنية: 330 فدانًا

الحدود: من الجهة الشمالية مدينة الأربعين، ومن الجهة الجنوبية قريتى دير درنكة وريفا، ومن الجهة الشرقية طريق أسيوط – موشا، ومن الجهة الغربية جبل درنكة.

تضم: مدرسة ابتدائية، مدرسة إعدادية، ومعهد أزهرى.

تحتاج إلى: تملك المنازل التى يقطنون بها، وحدة إسعاف، وحدة مطافئ، ومخبز.