عزبة خلف… قرية أسيوطية يحول المصرف حياتها إلى جحيم

عزبة خلف… قرية أسيوطية يحول المصرف حياتها إلى جحيم
كتب -

أسيوط – فاتن الخطيب ومحمد الجزار:

تصوير- أحمد دريم

على اليمين زراعات خضراء ومبان قليلة تتوسطها، وعلى اليسار منازل بسيطة تحوطها نسمات ترابية خانقة وتتراكم أمام معظمها أكوام السباخ، وفى المنتصف تتربع ترعة ذات مياه سوداء راكدة، تفوح منها روائح اللعنة كل ليلة مع قدوم منتصف الليل، حيث موعد فتح المحبس الرئيسى من عرب المدابغ، لتجتاح مياه الصرف الصحى هذا المصرف الذى يطلق عليه الأهالى “المشروع المعفن”، التى تمركزت حوله أكبر مشكلات عزبة خلف حيث كانت وجهتنا إليها فى رحلتنا الأسبوعية لقرى مركز أسيوط.

يقول بعض الأهالى إنه تم تسمية العزبة بهذا الاسم لأنه منذ سنوات طوال قدم إلى هذا المكان زائر من مركز القوصية اسمه خلف راشد، ونزل فى ضيافة الحاج دياب محمد دياب، فطلب الأول من الأخير أن يسمى المكان الذى نزل فيه باسمه.

مصرف الزنار

أمام الترعة كان عماد غيط، سائق، جالسًا تحت ظل شجرة صغيرة بجوار منزله، وعن مشاكل العزبة يقول: طلبى الوحيد أن تقفوا بحوار هذا المصرف وتشتموا رائحته وتروا لونه بأعينكم، إنه ببساطة مصب لمياه الصرف الصحى من المحافظة كلها، تتجمع بعرب المدابغ ولسوء حظنا تصب فى هذه الترعة، واسمها مصرف الزنار.

ويضيف: مع قدوم المساء تفتح المحابس الرئيسية من عرب المدابغ وبعدها تفوح أسوأ الروائح فى جنبات العزبة، لدرجة أنها تقتحم علينا منازلنا، وتسببت فى ظهور الأمراض.

روائح كريهة

ويقول خالد ناجح، عامل فى فرن: المشكلة أن هذا المصرف يصب فى النيل، ومنذ فترة جاءت إحدى القنوات الفضائية وسجلت مع بعض الأهالى، الذين بثوا إليها شكواهم، فكان رد المسؤولين هو التوقف عن تصريف مياه الصرف بالنهار وتصريفها بالليل، فهل هذا حل بحق الله؟

ويضيف: لا نستطيع الحياة، فالرائحة التى تخرج من المصرف غاية فى السوء، والحشرات تملأ العزبة وأطفالنا أصيبوا بالأمراض.

منطقة محظورة

ويشكو سيد محمود، مزارع: حول المسؤولون مياه الصرف على المصرف لدينا “وهو مطلوق على النيل مباشرة”، ونحن نشرب من مياه النيل فكيف ذلك؟

ويضيف: للأسف الحيوانات تضررت ومنها ما نفق، والناموس انتشر بسبب المصرف، وصار ينقل العدوى بين الحيوانات والبشر، ووقت مرض الحمى القلاعية نقل الناموس المرض بين الحيوانات حتى نفق معظمها.

ويكمل: كمزارعين أصبحنا موطنًا لعدة أمراض، وفى وقت المغرب لا نستطيع الجلوس فى الشوارع، وتتحول المساحة أمام منازلنا لمنطقة محظورة بسبب الناموس.

صرف مغطى

ويتسائل: لماذا لا يتم تحويل المصرف إلى صرف مغطى؟ فنحن لا نستخدمه فى الزراعة لتسببه فى قتل المزروعات وتدمير إنتاجية الفدان، فمياه الصرف بها صابون ومنظفات وهى تحرق المزروعات وتقتلها.

وأمام منزله على الطرق السريع كان رفاعى عطية، مزارع، يجلس على صخرة يترقب خطوات البشر وحركة السيارات وحوله شجيرات صغيرة تلف منزله البسيط، وعندما سألناه عن مشكلات العزبة رد قائلا: المصرف الذى يخترق قلب العزبة سبب مباشر لكل مشاكلنا، فيكفى أن بسببه ظهرت أمراض البلهارسيا والفشل الكلوى والفيروسات، وهناك قرابة الأربعة أشخاص أصيبوا بأمراض وتوفوا جرائه.

مشكلات أخرى

للمدارس فى عزبة خلف حكايات أخرى، فيروى أحمد عطية، طالب فى الصف الثانى الإعدادى، ليس لدينا بالعزبة إلا مدرسة واحدة ابتدائية والكثافة بها عالية جدًا تصل لقرابة السبعين تلميذًا فى الفصل الواحد، وهى عبارة عن ستة فصول.

ويتابع: فى المرحلة الإعدادية ننتقل إلى مدرسة أخرى فى جزيرة الأكراد، وليس لدينا بالعزبة مواصلات وهى بعيدة جدًا عنا، ومن لديه دراجة عادية يمكنه الذهاب ومن ليس لديه فهو مضطر للسير لأن المواصلات صعبة جدًا.

وبنبرة يملؤها الحزن يستكمل: المدرسة تضم بداخلها طلاب أربع جزر إضافة إلى العزبة، وتعانى من تكدس كبير جدًا، وفى أول يوم ذهبت للمدرسة فلم أجد مكانًا للجلوس، فطلبت من المدرس المساعدة “قالى شوف أى حتة اقعد فيها وخلاص”، وأحيانًا نضطر للوقوف أو الجلوس على الأرض والمقاعد متهالكة.

معاناة الطلاب

وكانت الصدمة فى شكل الامتحانات كما يرويه أحمد فيقول: “ساعة الامتحانات بنقعد كل اتنين أو تلاتة مع بعض؛ أولى إعدادى وتانية إعدادى على نفس المقعد”.

ويضيف: المدرسة تعمل فترة مسائية وعلىَّ أن أخرج من بيتى قبل العاشرة حتى أتمكن من الوصول، وفى كل الحالات أصل متأخرًا والمدرسون يعنفونى على الرغم من تأكيدى- وزملائى- أن المواصلات وبعد المسافة هما السبب، ولكن لا قبول لأى أعذار، وفوق كل ذلك رحلة الذهاب والعودة تنهكنا، فلا مجال للمذاكرة ونفقد قدرتنا على التحصيل والتركيز “ولا كأننا بنتعلم هى بهدلة وبس ومفيش أى استفادة”.

أخطار الطريق

ويضيف: نعود فى المساء من المدارس والطريق غير آمن، ولاتوجد مصابيح فى أعمدة الإنارة، ولهذا فالطريق مظلم وتقع عليه حوادث سرقة وخطف وبلطجة.

ويتدخل خالد ناجح ليقول: “مطلعش تلاتة أو أربعة متعلمين كويس فى العزبة، بسبب المسافة البعيدة ولادنا بطلوا التعليم”، كما أنه بسبب الظروف الأمنية وانتشار حوادث الخطف والبلطجة أقدمت العديد من الأسر على منع الفتيات من إكمال التعليم بعد المرحلة الابتدائية، مما دمر مستقبل الكثيرات بلا ذنب.

الصحة والخبز

وعن القمامة يذكر أهالى أنهم لا يرون أى سيارات للوحدة المحلية، والبديل هو إلقاء القمامة فى المصرف المواجه للمنازل وحوله، مما زاد من تلوث المصرف كما خلق بيئة لتكاثر الحشرات والزواحف كالعقارب والثعابين، وتسبب فى تكرار حوادث اللدغ بالعزبة.

وعن الوحدة الصحية يوضح البعض أنه لا يوجد وحدة صحية، وعلى المريض الذهاب إلى وحدة جزيرة المصنع التى تبعد خمسة كيلومترات ولا يوجد وسائل مواصلات إليها، وعلى المريض الانتظار طويلا حتي يجد سيارة تنقله، وهناك سيارات أجرة خاصة بالعزبة ولكن الفقراء لا يستطيعون توفير أجرها.

فيما يشكو أهالى من عدم وجود مخبز، وينتظرون الحصة القادمة من مدينة أسيوط حيث توزع الاشتراكات ولكن لا تكفى، ويذكر أحدهم أن السيارة لا تأتى كل يوم “فيوم يقولون هناك عطل بها ويوم يقولون روايات أخرى، وفى كل الأحوال لا نجد رغيف الخبز فنستبدله بالأرز أوالمكرونة”.

سرقة وبلطجة

وحول أعمدة الإنارة يوضح بعض الأهالى أنها لا تكفى، مما ساهم فى انتشار أعمال السرقة والبلطجة حول مدخل العزبة غير الآمن ليلا.

ويذكر رفاعى عطية، من أهالى العزبة، أن البلطجية أنشأوا مطبًا صناعيًا على الطريق السريع “بيقشطوا عليه العربيات بالليل” على حد قوله.

جمع القمامة من المنزل

وبحثًا عن ردود من المسؤولين توجهنا للوحدة المحلية لمنقباد والتقينا علاء شعبان، رئيس الوحدة، الذى يوضح: بالنسبة لمشكلة القمامة أرجو تطبيق تجربة جمع القمامة من المنازل، وأتمنى من الأهالى أن يشتركوا فى هذا المشروع، ولديهم جمعية تنمية مجتمع بالعزبة من الممكن التعاون معها، وسنمدهم بالمعدات اللازمة والدعم الفنى، وهى أيضًا تجربة ناجحة جدًا وستخلق فرص عمل، إضافة إلى نظافة العزبة.

ويقول محمد عبدالسلام، نائب رئيس مركز ومدينة أسيوط: القمامة ترفع بشكل يومى من القرى والعزب، وكل يوم تذهب سيارات النظافة إلى قرية، وبهذا فنحن متواجدون على مدار الأسبوع فى جميع القرى للقيام بعمليات النظافة، وذلك بحسب جدول منتظم.

مشكلة المدارس

وحول مشكلة المدارس يقول علاء شعبان: ليس بالعزبة أراضٍ أملاك دولة نهائيًا، ولكن فى حال تبرع أحد الأهالى بقطعة أرض نعدهم بالبدء بالبناء عليها فورًا.

أما عن المواصلات فيوضح: بين العزبة وموقف الأزهر بمدينة أسيوط حوالى 150 مترًا فقط، فلا أرى أن المسافة طويلة.

وعن الجديد فى الخطة الحالية بالنسبة للعزبة يذكر شعبان: يجرى حاليًا أعمال رصف وتوسعة للطريق من عزبة خلف مرورًا بمصنع السماد بقرية منقباد، وحتى منطقة الوليدية بحي شرق أسيوط بتكلفة 900 ألف جنيه.