فى يوم المرأة المصرية.. صعيديات يتربعن على عرش السياسة والعلم والأعمال

فى يوم المرأة المصرية.. صعيديات يتربعن على عرش السياسة والعلم والأعمال
كتب -

أسيوط – أميرة محمد وهاجر السويسى ومصطفى كامل ومحمد الجزار:

تحتفل مصر يوم 16 مارس بيوم المرأة المصرية، التزامًا بقرار الأمم المتحدة بالاحتفال بيوم خاص للمرأة بكل دولة، على أن يرتبط هذا اليوم بحدث تاريخى للبلد نفسه.. ويحمل هذا اليوم ذكرى مشاركة المرأة المصرية فى ثورة 1919 ضد الاستعمار ونضالها من أجل الاستقلال.

وتشارك “ولاد البلد” المرأة الصعدية احتفالها، بتقديم نماذج مشرفة لنساء خضن مجالات الحياة المختلفة، وحققن نجاحات باهرة.. فكل عام وكل امرأة صعيدية وأسيوطية بخير.

رحلات كفاح

بدأت بدرية محمد، 53 عامًا، ربة منزل، قصة كفاحها القاسية مع الحياة عندما توفى زوجها منذ أربعين عاما، تاركًا لها خمس بنات، ورغم ضآلة المعاش واحتياجها الشديد للمال رفضت الزواج وقررت العمل كبائعة خضروات لتوفير الاحتياجات الأساسية لبناتها، إلى أن توفت ابنتها الصغرى تاركة لها ما يزيد عليها قسوة الحياة، وهى طفلة تتمنى الجدة أن تكمل تربيتها وتصل بها إلى برالأمان. وعن عملها تقول: اخترت العمل بشرف فمهما كانت مشاقه لكنه أفضل من إهانة مد اليد.

وتقول عزيزة حسن، 53 عامًا، أرملة، إنها شعرت بالخوف من المستقبل بعد وفاة زوجها، خصوصًا مع وجود أبنائها الذين يحتاجون إلى رجل لتربيتهم، ولكنها تغلبت على الحياة وأكملت دراستها بعد وفاة زوجها حتى وصلت إلى منصب المدير العام، وأيضا حصل أبناؤها حصلوا على أعلى الشهادات.

وتضيف: رغم نظرة المجتمع الصعبة التى كانت بالنسبة لى حرب أعصاب، إلا أننى تغلبت عليها بالصبر والإصرار، فإيمانى بإكمال رسالتى تجاه أبنائى وأيضًا تحقيق ذاتى فى العمل جعلنى أقوى من أى موقف أواجهه.

قائدات بالصعيد

وعلى قمة الهرم الإدارى بمركز المعلومات وإتخاذ القرار بمحافظة أسيوط تتربع فاطمة الخياط، مديرعام المركز وعضو مجلس إدارة بالجمعية النسائية للتنمية، التى تقول إنها بدأت حياتها العملية بهدف واحد وهو العمل من أجل العمل، فحبها للعمل وإيمانها بضرورة إثبات الذات جعلها تتحمل الضغوط وتتغلب على المشكلات التى تواجهها بالصبر، وقبل كل ذلك عشقها لمجالها، هما عاملان هامين فى تقدمها واستمراريتها.

مهضوم حقها

وترى الخياط أن المرأة الصعيدية مهضوم حقها فى المجتمع بسبب العادات والتقاليد التى المفروضة عليها، سواء فى الصواب أو الخطأ، أو حرمانها من الوصول لدرجة التعليم التى يصل إليها الرجل.

وتضيف أنه من أهم عوامل النجاح، ومساعدتها فى حصول مركز معلومات أسيوط على الأول للمعلومات على مستوى الجمهورية كل عام، هو دعم القيادات العليا لها قائلة إن أغلب القيادات المتفهمة- التى قدرت طبيعة عملها ومدى التحديات التى تواجهها من ضغط يستلزم العمل أكثر من 12 ساعة فى اليوم أحيانًا- هم القيادات من الوجه البحرى، أما القيادات الرجال من الوجه القبلى فهناك صعوبة فى التفاهم معهم.

وتصف الخياط المرأة الصعيدية بأنها قوية، تتميز بطبيعتها القاسية المكتسبة من البيئة التى تعيش فيها، أما أكثر مخاوفها فهى أن تضعف قوة مركز معلومات أسيوط.

الإدارية الحازمة

أما المهندسة هويدا شافعى بدوى، نائب رئيس حى شرق، فهى السيدة الأولى التى تتقلد هذا المنصب الذى استمرت فيه قرابة العشرة أعوام.

تخرجت الشافعى فى كلية الزراعة جامعة أسيوط عام 1989، وبدأت مسيرتها العملية كمديرة لمركز المعلومات بالفتح لمدة 14 عامًا لتصل بعدها إلى منصبها هذا، وقررت الخروج عن التقليدى فهى لا تفضل الروتين، وخاضت هذا المجال الشاق مثل الرجل.

تقول إنها تنزل إلى مواقع العمل المقرر إزالتها وتقف مع العمال وتتعامل مع أى قيادات كبيرة كانت أم صغيرة، شدّتها فى العمل تجعل منها شخصية حازمة، ومع ذلك فهى زوجة لرجل له دوره البارز فى حياتها العملية وأم لطالب بكلية الحقوق.

زوجة وأم ناجحة

تقول الشافعى: من المقومات التى ساعدت على نجاحى تفهم زوجى لطبيعة عملى، وتقبله وتشجعيه لى على الاستمرار، كذلك تقدير ابنى لظروف عملى التى تجعلنى قد أنشغل عنه، لكن إصرارى على النجاح يتضمن أيضًا عدم التقصير فى حق بيتى وزوجى وابنى، فالمرأة الناجحة فى عملها هى أساسًا زوجة ناجحة وعمود صلب فى بيتها.

وتُرجع الشافعى نظرة الرجل للمرأة إلى العادات والتقاليد وطبيعة النشأة، مواضحة أن على المرأة نفسها دور فى تعميق نظرته إليها، فهى ترى الكثير من النساء غير الطموحات اللاتى يضعن الرجال فى مكانة أعلى من الطبيعى، فتكون النتيجة أنه يلغيها هى تمامًا، رغم أن المرأة عامة- والصعيدية خاصة- تتمتع بشخصية قيادية قوية، فهى التى تدير المنزل وتخطط له، فتجدها مديرة للمالية ومسؤولة اجتماعية فى منزلها، فطبيعى أن تكون لها قدرة فائقة على إدارة عمل وتحقيق النجاح فيه.

 أعلى درجات العلم

الدكتورة منى المهدى، أستاذة بكلية الصيدلة بجامعة أسيوط، لكنها فى ذات الوقت حدوتة أسيوطية وتاريخ لا ينتهى من الشهادات العلمية.

ولدت عام 1961، حصلت على درجة البكالوريوس فى العلوم الصيدلية من كلية الصيدلة، تبعها ماجستير ودكتوراة فى العلوم الصيدلية، بدأت العمل كمعيدة بقسم الصيدلانيات بكلية الصيدلة ثم مدرس مساعد بنفس القسم، وعضو بعثة إشراف علمى مشترك باليابان وبعد ذلك مدرس بالقسم.

حصلت على جائزة البحث الأولى من جامعة طوكيو باليابان، بعد منافسة بحوث من مختلف دول العالم فى مؤتمر علمى عالمى، وكان بحثها حول صياغة وتحضير مستحضر صيدلى جديد لعلاج مرضى السرطان، وحصلت على جائزة التميز العلمى من جامعة أسيوط، وجائزة التميز العلمى من المجلس القومى للمرأة بأسيوط، شهادة تقدير من مؤتمر المرأة والبحث العلمى والتنمية فى جنوب مصر، وشهادة تقدير من المؤتمر العلمى الأسيوى بجامعة كانازاوا باليابان.

المرأة السياسية

من جهة أخرى نجد المرأة السياسية التى تمارس حقوقها السياسية والمدنية، مثل التصويت فى الانتخابات والترشح للمجالس الشعبية والنيابية، والمشاركة فى النقابات والتنظيمات النسائية، ووسط كل ذلك أثبتت المرأة وجودها داخل المجتمع السياسى، بداية من ناشطة سياسية حتى رئيسة حزب سياسى وعمدة مسؤولة أمام مجتمعها.

الدكتورة فوزية أبوالنجا، أمين حزب الدستور بأسيوط، والحاصلة على دكتوراة فى العلوم السياسية، والمدير الإقليمى لقصور ثقافة الصعيد، هى زوجة وأم وسياسية بارزة وصاحبة ثقافة عالية، تقول إنه المرأة فى أسيوط والصعيد عمومًا تنظر إلى السياسة وكأنها ثمرة تين شوكى، لديها رغبة قوية فى أكلها ولكنها لا تقوى على مجرد لمسها، فالمرأة فى الصعيد المصرى تريد أن تمارس حقها السياسى لتجد فى ذلك الحق ذاتها، وتبحث عن اهتماماتها داخل نطاقه وتشبع وتنمى مواهبها الكامنة، ولكن تبقى النظرة الذكورية الشاملة، التى تتحول بالتالى بينها وبين المشاركة السياسية.

وتضيف أبوالنجا أن التنشئة الأسرية للمرأة تلعب دورًا فعالًا فى مشاركتها من عدمها، موضحاة أن أسرتها هى التى دعمتها بكل قوتها، إيمانا منها بدورها فى الحياة السياسة والمشاركة فيها. وتتمنى فى الفترة المقبلة أن تحدث توعية كاملة حول المرأة وحقوقها السياسية، حتى تتمكن الأغلبية النسائية من ممارسة السياسة بشكل فعال.

قائدة حزبية ناجحة

الدكتورة سحر عبدالمولى، أمين حزب الكرامة ومدير عام صيدليات المستشفيات الجامعية، اعتادت العمل الاجتماعى والخدمى والعمل الوطنى منذ نعومة أظافرها، وشاركت بالعمل الحزبى والسياسى منذ ثورة 25 يناير، فعملت فى البداية مع حزب الكرامة كعضو عامل وساعدت فى تشكيل وحدات حزبية بشكل تنظيمى ولائحى، وأختيرت كأمين للحزب بالمحافظة.

ترى عبدالمولى أن العمل الحزبى بالنسبة للمرأة يشكل أهمية كبرى، ومساوٍ لدور الرجل فى الحياة السياسية، وهذا المجال يتسع للجميع بعيدًا عن أى تسلط قائم على الجنس.

وتضيف أن مفهوم المرأة القائد يسبب مشكلة لدى البعض فى العمل المهنى، ولكن مع الوقت و تطور الأداء والمقدرات والأفكار سيحدث التغيير ويتقبله الجميع، وتحديدًا فى المجال السياسى.

وتوضح أن المطلوب لتفعيل دور المرأة فى المشاركة السياسية نشر الوعى، واختيار الكوادر والرموز النسائية التى تمثل كل الطبقات الكادحة، ثم يأتى دور الدولة فى تمكين المرأة و إتاحة العوامل المساعدة لتأدية دورها.

ولا تؤمن عبدالمولى أن العادات والتقاليد تمثل سببًا رئيسيًا فى عزوف المرأة عن المشاركة فى الحياة السياسة، ولكنها ترى أن التنشئة الخاطئة هى أحد أسباب تحجيم المرأة، لكنها تشدد على أن المرأة أثبتت- على مدار الثورة- جدارتها وقدرتها على الصمود أمام الصعاب، وأحقيتها فى بناء وطن لأبناها وأحفادها، فالمرأة هى الحضن الذى يغرس الانتماء ليحصده الوطن نضالا و كفاحًا حتى النصر.

مارجريت تاتشر المصريين

إيفا هابيل كيرلس، عمدة قرية كمبوها مركز ديروط سابقًا، أول عمدة فى القطر المصرى، وهى عضو مجلس الشورى سابقًا والمحامية التى غردت خارج سرب العادات والتقاليد الصعيدية دون إسفاف أو إخلال، فاستطاعت أن تضاهى عمل الرجال وتحكم قرية بالصعيد.

تعمل إيفا العمدة أو كما أطلق عليها “مارجريت تاتشر المصريين” وسط أجواء صعبة فكريًا وسياسيًا، إلا أنها استطاعت التغلب على تلك الظروف. وتقول: دور العمدة فى الصعيد مهم جدًا فى حل المشكلات والحيلولة دون تفاقمها، والوصول بالقرية إلى بر الأمان، وتوفير كل الخدمات المناسبة التى تحتاجها، فإذا كانت المرأة فى طبعها العاطفة ولكنها قادرة على السيطرة عليها، ولا تمثل العاطفة عبئًا أو تخل بالموازين فى إدارة القرية.

المعلمة المثالية فى “الفتح”

ومع المراة الصعيدية الأصلية بنت البلد التى تجمع شخصيتها ما بين الجد والفكاهة، والشدة واللين، نجدها تجلس على كرسيها وسط 10 رجال تقودهم بكلمة المدير وتحكى معهم بلسان الأخت وتتطمئن عليهم بقلب الأم.. هى هويدا الطماوى، أمين عام صندوق نقابة المهن التعليمية، والمعلمة المثالية فى مركز الفتح.

تعتقد الطماوى فى صعوبة تغيير نظرة الرجل الدونية للمرأة، لأن ذلك يتطلب تغير ثقافة المجتمع، وهو أمر من الصعب القيام به، فهى ترى أن الرجل مهما أظهر من تقدير للمرأة إلا أنه بداخله لا يؤمن بذلك، وكدليل على ذلك تقول هويدا: عند ترشحى للانتخابات الماضية بمجلس الشعب منعونى من الترشح على رأس القائمة لأننى امرأة، فرفضت وانسحبت واكتفيت بتدعيم مرشح معين.

وتؤمن الطماوى أن المرأة التى تريد أن تثبت ذاتها عليها بالعمل والمثابرة والصبر، وتفرض نفسها بقوة وثقة، لأنه من أبسط حقوقها العمل، وتقول إن المعلمة المثالية تتطلب شروطًا معينة أولها الالتزام بأخلاقيات المهنة وميثاق شرف المعلم، وأيضا ضرورة التواصل الاجتماعى مع إدارة المدرسة، وأهمية التنمية المهنية المستدامة، وعدم الاقتصار على شهادة التخرج فقط بل عليها تثقيف نفسها فى مجالها، وأيضا تحديد طريقة تعامل وأسلوب مختلف مع المرؤوسين والرؤساء لتميز نفسها عن باقى المعلمين، وتشدد هويدا- فى عيد المرأة المصرية- على ضرورة المشاركة فى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

سيدة أعمال بارزة

نجوى إبراهيم، رئيس مجلس إدارة جمعية سيدات الأعمال، مثال لسيدات الأعمال الناجحات فى أسيوط، تزوجت بعد حصولها على الثانوية العامة، ثم سافرت مع زوجها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك حصلت على دبلومة فى علم نفس الطفل، وبعد عودتها قامت بتأسيس حضانة للأطفال على الطراز الأمريكى، فكانت أول سيدة تؤسس حضانة للتعليم المنظم بأسيوط، لذلك عندما جاءت فكرة تطبيق جمعية سيدات الأعمال بأسيوط قام المهندس رجائى الطحلاوى، محافظ أسيوط آنذاك، باستدعائها باعتبارها من سيدات الأعمال البارزات فى المجتمع.

من هنا بدأت قصة كفاحها مع الحياة العملية، فاقتناعها بالفكرة وإيمانها بأهمية وجود جمعية لسيدات الأعمال فى أسيوط جعل منها أكثر إصرارُا وعزيمة للبدء فيها، خاصة أن المجتمع كان رافضًا تمامًا لفكرة جمعية للسيدات، ولم تكن الحرب ضدها هينة، ولكنها تشدد أن العمل مهما كانت صعوبته فالشخصية القوية هى التى تهزمه، وهذه هى شخصية المرأة الصعيدية القوية التى لا يقف أمامها عائق.

سر المرأة الصعيدية

تقول إبراهيم: المرأة الصعيدية هى المربى والمعلم، وهى التى تدير المنزل اقتصاديا وتربى أجيالا تصل إلى أعلى المراكز، فكيف لا تنجح فى تأسيس جمعية وهى التى تقم بتأسيس أسرة كاملة، تمتد جذورها بعد ذلك لأجيال وأجيال؟

أدارت ظهرها لأى تناقضات أو حروب من أى جهة، وبادرت بوضع الخطة وتحديد هدفها، وبدأت بالتنفيذ، فكانت مستمرة فى العمل لتحقيق أهدافها وفى نفس الوقت تدافع عن جمعيتها ضد أعداء النجاح، الذين غالبَا ما ينتمون لثقافة المجتمع الذكورى الذى لا يعترف بالمرأة، واستمرت فى كفاحها حتى حصلت على تقدير الجميع بمن فيهم أحد الوزراء الذي كان أن استهان بالجمعية فى بدايتها..

وترى إبراهيم أن حقوق المرأة مهضومة، والدليل على ذلك أنها لم تأخذ حقها الذى شرع به الله وهو الميراث، فالمجتمع الذكورى لم يتخلص من فكرته ونظرت العقيمة للمرأة.

وتعطى روشة نجاح نسائية تقوم على الإصرار والصمودها والثقة بالنفس والقدرة على العطاء, والاستقلالية فى العمل وعدم الاعتماد على أحد والبعد عن التبعية، والعمل الجماعى الذى يعد من أساسيات النجاح، وأن يكون الفريق يدًا واحدة وقلب واحد.