“قرية المطيعة” فى أسيوط تحلم بكوب ماء نظيف

“قرية المطيعة” فى أسيوط تحلم بكوب ماء نظيف
كتب -

المطيعة  في سطور

الوحدة المحلية: المطيعة ويتبعها قري الشغبة والنمايسة وأولاد إبراهيم وأولاد علي ونزلة عبداللاه

عدد السكان: 50 ألف نسمة

المساحة: 20 كيلو متر مربع

المساحة الزراعية: 5 الآف فدان

الحدود: من الجهة الشمالية قرية الشغبة، ومن الجهة الجنوبية قرية نزلة باقور، ومن الجهة الشرقية نهر النيل، ومن الجهة الغربية قريتي موشا وقرقارص

تضم: مدرسة ثانوية مشتركة، ومدرستان للمرحلة الإعدادية، وخمس مدارس إبتدائية، مكتب بريد بالقرية، نقطة شرطة

تحتاج إلي: مدرسة إعدادية أخري، إعادة تشغيل المستشفى التكاملى، وتشغيل المخابز المتوقفة فضلا عن زيادة حصص الدقيق للمخابز الأخري

 

المحافظة أنشأت محطة مياه بتكلفة 45 مليون جنيه والأهالي يشربون مياه غير مطابقة للمواصفات

الأهالى: شركة المياه والصرف الصحى ترفض استلام المحطة بسبب متأخرات مالية وعدم تعيين العمال

رئيس شركة المياه: تشغيل المحطة سيتم عقب تحليل المياه والتأكد من صلاحيتها ومطابقتها للمواصفات

وكيل وزارة الصحة: لو أن هناك اختلاط للمياه بالصرف الصحي للوحظ بشدة.. ولانتشرت الكوليرا والتيفود.

 

تحقيق – فاتن الخطيب، علا عوض:

قرية “المطيعة”.. تلك القرية التي يعيش فيها حاولي 50 ألف نسمة، إحدى قرى مركز أسيوط التي يشتهر أبناؤها بمهارتهم فى حرفة تركيب السيراميك، ومن أعلامها الشيخ محمد بخيت مفتى الديار المصرية السابق فى عهد الملك فاروق، وتتمتع القرية بأن نسبة التعليم مرتفعة بها.. منذ سنوات ويعلو أنين هذه القرية بسبب عدم قدرة الأهالى على الحصول على كوب ماء نظيف يحمل المواصفات الآدمية، وذلك بسبب اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحى، وارتفاع نسبة الحديد والمنجنيز بالمياه.

“الأسايطة”.. أخذت علي عاقتها الذهاب إلي القرية والتعرف علي المشكلة وجذورها وأبعادها من الأهالي المقيمين بها، وتوصيل شكواهم إلي المسئولين وسماع رأيهم فيها.

الرحلة من مدينة أسيوط إلى قرية المطيعة كانت قصيرة، وغير منهكة، فلم تأخذ من الوقت سوي ثلث ساعة تقريبا، وما إن تدخل القرية حتي تجد هدوءً كأي قرية مصرية، أهلها تتسم وجوههم بالطيبة والصفاء، وأثناء جولتنا في القرية وجدنا مجموعة من الأهالى فى أماكن متفرقة، وبدأنا نعرف لهم أنفسنا أولا، وأخذنا بعد ذلك في الاستفسار عن أبعاد مشكلة المياه.

حينما سألنا عن أحوال المياه بالقرية، فاجئنا محمد إبراهيم، مواطن بسيط من أهالي القرية، برده قائلا: “القرية مليئة بالمشاكل، ونحن نعانى ولا نجد من يسمعنا، أما عن مياه الشرب فهى سيئة جدا، ولا نستطيع أن نتحمل رائحتها الكريهة، وأهالى القرية يعانون من العديد من الأمراض بسببها، ولذلك فقريتنا من أكثر المناطق إصابة بفيروسات الكبد والفشل الكلوى وللعلم تلك الأمراض لا تصيب الكبار منا فحسب بل أيضا أطفالنا الصغار فلعنتها لا ترحم أحدا”.

باهتمام شديد أخذنا نستمع إلي تفاصيل القصة من عم محمد، الذي أوضح أن هناك بعض الأشخاص قاموا بعمل أيسونات منذ سنوات بالقرب من محطة المياه، مما تسبب فى زيادة اختلاط مياه الصرف بمياه الشرب، وارتفاع نسبة الحديد والمنجنيز بها، ومنذ فترة حضر إلي القرية بعض المتخصصين من المحافظة وكلية العلوم، وأخذوا عينات من المياه لتحليلها، وإلى اليوم لم يرد علينا أحد، والحال كما هو عليه.

“لقد أوشك الموتى أن يأنوا من سوء حال المياه التى تفوح منها رائحة الصرف الصحى”.. هكذا بدأ حسنى حسن شحات، والذى يعمل “تُربي” – الشخص الذي يدفن الموتي – كلامه لنا، وأضاف قائلا: “كل شئ فى حياتنا تدمر، بسبب المياه التى نشربها، فنحن لا نستطيع أن نعيش، وكل يوم تزيد نسبة إصابة الأهالى بالفشل الكلوى، ولا نجد مسؤل واحد يمد لنا يد العون”.

وأضاف: “للعلم لم تؤثر المياه سلبا علينا نحن كبشر – فحسب-  بل إن الحيوانات أيضا تمرض بسببها، فكل من لديه حيوانا بمنزله لا يكف عن الذهاب به للطبيب البيطرى”.

أما عم إسماعيل أحمد، ذلك الرجل المسن، الذي تظهر علي وجهه تقاسيم كبر السن، فقد شكى مر الشكوى من معاناتهم من سوء حال المياه، أضاف إلي ذلك سوء المعاملة فى المستشفى القروي، الذي لايجد الأهالي لدي ذهابهم إليه أي اهتمام – بحسب كلامه -.

بالرغم من أنه في أحد الأيام كان قياديا في المحليات إلا أنه لم ينكر معاناة أهل قريته بسبب سوء حالة المياه، وقال محمود جابر الديب، رئيس مجلس محلى قروي سابق، إننا طالبنا أيام اللواء نبيل العزبى، محافظ أسيوط، بإنشاء محطة لمياه الشرب، وبالفعل تم إنشاء المحطة، وكانت عبارة عن أربعة مرشحات بتكلفة حوالى أكثر من 30 مليون جنيه، وبعد تشغيلها لمدة عام تم إيقافها، بسبب رفض هيئة مياه الشرب استلام المحطة، لوجود بعض العيوب الفنية في التنفيذ، ولكن يبدو أن هناك سببا آخر هو عدم رغبة شركة المياه فى تحمل النفقات المالية ودفع مستحقات العاملين التى كانت تتحملها الشركة المنفذة للمشروع أو المكتب العربى.

سبب توقف المحطة والبحث عن الإجابة عن ذلك، كان نتيجة لتجولنا في القرية حتي التقينا مع تجمع لبعض الأهالى الذين ذابت معه أسماؤهم من كثرة عددهم، وجاء على لسانهم وجه آخر للحقيقة، حيث أكدوا أنه فى عزبة الصيادين التابعة للقرية أربع محطات نقالى جاهزة للعمل، وبها تسعة موظفين فى انتظار التثبيت، والأرض المقامة عليها المحطة هى أرضهم وأخذت منهم عنوة لإقامة المحطة عليها، وكان ذلك العمل فى عام 2007، وبدأت المحطات فى العمل الفعلى، وضخت مياه نقية لأهالى المطيعة فى شهر أكتوبر 2011، ولكن ما لبثت أن فرحتهم تجمدت بعد إيقاف تشغيل المحطة فى الأول من أكتوبر 2012، وكان السبب  في ذلك – كما أورده الأهالى – هو أن المكتب العربى، والذى كان بمثابة الشركة المنفذة قد أنهى عمله، وجاء وقت تسليم المحطة لشركة المياه والصرف الصحى، إلا أن الشركة لم تتسلم منه المحطة فتم وقف ضخ المياه للأهالى، وتم العودة مرة أخري إلى الشرب من مياه الآبار، علما بأن هناك بئرين بالقرية أحدهم غير صالح تماما للشرب منه، بسبب قيام بعض الأهالي بحفر “أيسونات” بمنازلهم، مما أدي إلي اختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي، وذلك من أكثر من خمسة عشر عاما، وارتفاع نسبة المنجنيز بها.

 

بينما عزي بعض الأهالي عدم تشغيل المحطة بعد توقفها، هو عدم رغبة الشركة فى تثبيت الموظفين الذين كانوا قد سبق وعدهم المسئولون منذ أكثر من ستة أعوام بالتعيين، وأنها لا تريد تحمل النفقات المادية التى كان يتحملها المكتب العربي المنفذ للمحطة.

بالانتقال إلى مكان المحطة، فوجئنا بمبني قائم على قدر هائل من الإمكانيات وعلى مساحة شاسعة من الأرض أكثر من فدان تم انتزعه من أصحابه – على حد قول عمال المحطة الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم – الذين أكدوا أن المحطة تغرق فى بحر من الإهمال من قبل المسئولين، وهناك آلاف الأهالى ينتظرون جرعة ماء نظيفة، والكارثة أن البئرين اللذين يعتمد عليهما أهل القرية فى الشرب هما غير كافيين أصلا، فهناك منازل لا تصلها المياه بالقدر الكافى، ولأن الناس لا تعرف تلك الحقيقة، فقد قام بعضهم بتقديم شكاوى ضدنا ظنا منهم أننا السبب، يأتي ذلك في الوقت الذي لاتريد شركة المياه بتعيينا، وتعاملنا باليومية “25 جنيها” عن اليوم الواحد، بالرغم من أن هذه الفلوس لاتكفي حاجتنا وأسرنا.

 

إلى تلك النقطة انتهت الرحلة فى قرية المطيعة لتبدأ رحلة أخرى للبحث عن إجابات وحلول للمشكلة، بداية التقينا الدكتور أحمد عبد الحميد، وكيل وزارة الصحة بأسيوط، وعندما سألناه عن تقارير المياه التي يتم سحبها من الآبار، نفي تماما اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحى، وقال: “لو كان هناك اختلاط بالفعل للوحظ وبشدة، ولتواجدت الأمراض ذات الطابع الوبائى بالقرية كالكوليرا و التيفود”.

 

وأضاف عبدالحميد: الفيروسات الكبدىة التى شكى منها الأهالى لا تنتقل إلا بالحقن أو الدم أو الاتصال الجنسى، ولا تنتقل أبدا بسبب مياه مختلطة بصرف صحى أو ملوثة.. فالمشكلة فى القرية تكمن فى أن الآبار الجوفية لابد أن تكون بعيدة عن المنازل بمساحة 45 مترًا من جميع الاتجاهات، ولكن بعد زحف المبانى حول منطقة الآبار قلت المساحة عن المساحة المطلوبة، فأصبحت الآبار غير مطابقة للمواصفات، كما أن طبيعة التربة فى أسيوط بها نسبة حديد ومنجنيز معتدلة، ولكن بمرور الزمن زادت هذه النسبة، ولحل تلك المشكلة يجب تركيب محطة معالجة على تلك الآبار، مشيرا إلي أنه يتم أخذ عينات بصفة دورية وفحصها بالمعامل الإقليمية بأسيوط، والتأكد من مطابقتها للمواصفات والمعايير، وفى حالة اكتشاف عينة غير مطابقة يتم فورا إخطار شركة مياه الشرب والصرف الصحى بأسيوط لعمل الإجراءات اللازمة من غسيل وتطهير للآبار.

 

أما اللواء حسن عبد الغنى، رئيس مجلس إدارة شركة مياه الشرب والصرف الصحى بأسيوط، أكد أن سبب عدم استلام المحطة، هو أنه فى هذه الفترة تقوم وزارة الصحة بأخذ عينات من المياه وتحليلها للتأكد من سلامتها ومطابقتها للمواصفات قبل نقل صفة التشغيل من الشركة المنفذة إلى شركة المياه.

 

وحينما سألناه عن سبب تشغيل المحطة ثم توقفها، قال: “الظروف الأمنية من أكبر العوائق التى تقابلنا والشركة فى كثير من الأحيان لا تستطيع العمل بسببها”.

 

أما مشكلة التعيينات فهي ظاهرة عامة فى مصر كلها وفى جميع الوزارات والمؤسسات وليس لدينا فقط، ولدينا 6500 عامل على مستوى الوعاء الوظيفى والمشكلة هى أن زيادة التعيينات ستؤدى إلى ترهل الشركة، ولكن ما أستطيع تأكيده هو أن الأشخاص الذين كانوا يعملون بالمحطة فقط هم الذين لهم الأولوية فى العمل.

 

هكذا انتهت الرحلة فى قرية المطيعة، ولكن لم ننته بعد في سرد مشكلات القرية، حيث تعاني من وجود ترعة في قلب القرية تمتد إلي 3 كيلو متر، تفوح منها الروائح الكريهة، بسبب إلقاء الحيوانات الميتة بها، كما تقوم سيارت الصرف بإلقاء محتوياتها فيها، مما يتسبب في انتشار الأمراض والأوبئة، وسلخانة دون طبيب بيطري يكشف علي الماشية، فراح الأهالي يذبحون ماشيتهم بدون رقابة، غير صعوبة حصول الناس علي رغيف الخبز في عزبة الصيادين التابعة للقرية، أما أغرب المشكلات فكانت سحب الأجهزة من المستشفى التكاملى بالقرية بعد الثورة، وأصبحت وحدة صحية عادية بدون خدمات، أما أشد ما شكى منه الأهالى هو الانعدام التام للأمن وعدم قيام نقطة الشرطة بأى دور لتوفير الآمان للأهالي.