من خلال عملي كمحرك ثقافي في قوافل تنمية جنوب الوادي التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة والتي تجوب القرى والعزب والمناطق الفقيرة والمناطق القصية المحرومة ثقافيا لاكتشاف مواهب جديدة ودماء مبدعين جديدة وضخها في جسد الثقافة المصرية.

وقبل بدء هذه القافلة كنت متوهجا بالأماني الخضر، وتحدوني طموحات شتى أننا سنعثر على خبايا قيمة ودرر ثمينة، وإننا سنعثر على أم كلثوم أخرى وحليم آخر وفريد أطرش آخر، وشوقي وحافظ إبراهيم وتوفيق حكيم آخر وأبنودي آخر، وغيرهم من الأسماء الشامخة التي صنعت هوية مصر الثقافية عبر قرون ممتدة من الزمن، ومن ثم تبنيهم كمشاريع ثقافية كبرى تقع على عاتق الهيئة العامة لقصور الثقافة، لكن الطامة الكبرى أنني وجدتني أمام جيلا بلا ذاكرة، وبلا مخيلة وبلا كتاب يقرأه، وبلا تاريخ يعرفه، وأن علاقته بتاريخ مصر وبشوامخ مصر العظام، علاقة شاحبة باهتة، لا تتعدى الأدبيات، وإنه جيل العالم الافتراضي المسطح، وجيل كرة القدم الهوليجانز وجيل أغاني المهرجان التافهة الساقطة المبتذلة، وجيل زائغ لا يعرف ماذا يريد، إلا من رحم ربي!

وسط هذا تستحضرني مقولة عالم الاجتماع الأشهر ابن خلدون “إن أول جدار يقع في الحضارة هو جدار الغناء”، وهو يقصد بالغناء هنا كل ما هو ثقافة وابداع.

واستحضر هنا دليلا، وهو قصة ورثة أم كلثوم الذين باعوا فيلتها التي عاشت فيها حياتها بعد وفاتها لتصبح برجا أسمنتيا شاهقا في حي الزمالك يحمل اسمها! ليس هذا فحسب، بل في عام 2008 قاموا بعرض عقد أم كلثوم اللؤلؤي النادر في مزاد بعد 33 عاما من وفاتها، وقامت سيدة إماراتية فضلى بشرائه حفاظا عليه من أن تتلقفه صالات المزادات ويدخل تاريخ أم كلثوم لعبة البيزنس، والقيمة هنا ليست في العقد، ولكن القيمة المعنوية لهرم شامخ بحجم أم كلثوم، وكونها جزءا أصيلا من تاريخ مصر، شكلت وجدانا غنائيا خالدا على مدار خمسين سنة تقريبا من العطاء، وامتد أثره إلى جميع أرجاء الوطن العربي، سفيرا لمصر، وماركة مصرية أصيلة مسجلة، وأسوق هنا ما ذكره الدكتور يوسف الحسن “حلم أم كلثوم يذهب مثل إرثها بذهب بلا ريـــح، ومن غير وعد بالإياب، والذاكرة تتعرض لجراحة غليظة لاستئصالها”.

ما رأيته هو جيل مشوه، يفتقر لذائقة السماع، وذائقة الجمــــال، وذائقة الرؤيـة، صار الشائه لديه مألوفا والقبيح مستأنسا والرديء رابحا، وإن كان هناك قصور فهو قصور المربي في البيت، وقصور المعلم في المدرسة، وقصور المثقف بالثقافة، وطالما هذا الجيل يخاصم الثقافة ويخاصم الإبداع ويخاصم الكتاب فهو على خصام مع  كافة أشكال جماليات الحياة التي ترقى بالإنسان وبالمجتمع وبالذائقة، فالثقافة هي أرقى نشاط ذهني عرفته البشرية، والثقافة والتعليم صنوان، فالتعليم هو ضمانة المستقبل، والثقافة هي الحفاظ على هوية هذا المستقبل ورسوخه.

هذا الجيل بحاجة ماسة إلى تعليم راقي يراعي معايير الجودة العالمية، وثقافة قادرة على استيعاب كافة شرائح هذا المجتمع، تنمي هذا المجتمع وتحافظ على هويته التاريخية والمعاصرة، وتربي فيه قيم التسامح والحوار والانفتاح على الثقافات والفكر وعدم نبذ الآخر أو إقصائه أو تهميشه، وتغرس فيه قيم التشاركية والإيجابية والتفاعلية المجتمعية البناءة.

والسؤال المثار الآن، أين وزارات التربية والتعليم والثقافة والشباب والرياضة والتي تترك هذا الجيل سابحا في فضاءات العالم الافتراضي، ونهما لثقافات العشوائيات، وطمعا لبراثن التعصب الديني، وزادا خصبا للانحلال الأخلاقي والقيمي؟