مصنع السماد فى أسيوط يصدر حكمًا بالإعدام على آلاف المواطنين

مصنع السماد فى أسيوط يصدر حكمًا بالإعدام على آلاف المواطنين
كتب -

مصنع السماد بقرية منقباد

أسيوط– فاتن الخطيب:

قرية “منقباد” واحدة من أكبر قرى مركز أسيوط، تبعد ثلاثة أميال شمال مدينة أسيوط، وعثر فيها بالصدفة فى عام 1965 على موقع أثرى قبطى قديم عثر من خلاله على العديد من الكنائس التى يعود تاريخها إلى القرنين السابع و الثامن الميلاديين، كما أن اسمها الحالى هو تحريف لاسمها فى عهد الفراعنة “منكابوت” ويعنى “مخزن الأوانى المقدسة”، و لقد عثر الباحثون فيها بالفعل على مجموعات كبيرة من الأوانى والأدوات التى كانت تستخدم فى العبادات المصرية فى عهد الفراعنة، وبخاصة عند قاطنى مدينة “سيوت” وهى أسيوط حاليا.

تحتل منقباد موقعا متميزا فهى تقع على شاطئ النيل من جهة وتلاصق الجبل الغربى من الجهة الأخرى، وكان لهذا الموقع أثره فى أن تحتل منقباد مكانة متميزة عند الحكام فمنذ القدم، وهى تؤخذ كمقر لجيوش مصر الفرعونية بل كانت مقرا لجيوش اليونانيين والرومان فى أوقات حكمهم لمصر، كما اتخذها نابليون مركزا لجنوده فى الصعيد أيام الاختلال الفرنسى لمصر من 1801 حتى 1798، واستمرت منقباد كمركز للجيوش حتى بعد الاحتلال الإنجليزى لمصر 1882، وأقاموا بها المبانى العسكرية والثكنات.

ومن الماضى إلى الحاضر نجد أن تلك القرية تحتل أهمية مكانية كبيرة فيوجد بها المنطقة الجنوبية العسكرية للقوات المسلحة المصرية، بالإضافة إلى مطار أسيوط الدولى فى غرب منقباد فى المنطقة الصحراوية جنوب غرب مصنع الأسمنت ومجموعة من المصانع والاستثمارات الكبيرة بالمحافظة.

ومن هنا بدأت معاناة أهالى القرية، حيث المصانع التي تتسبب في آلام وأمراض لهم بمرور الزمن، أحد هذه المصانع هو مصنع السماد الذي يقع فى قلب المناطق السكنية بالقرية.. “أسيوط العاصمة” أخذت على عاتقها مهمة البحث عن أبعاد المشكلة وجذورها وتوجهت إلى القرية والتقت الأهالى فماذا قالوا؟

بداية يقول محمود مصطفى، أحد أبناء القرية، أن تواجد مصنع الأسمدة فى وسط المناطق السكانية هو من أكبر المشكلات التى تواجهنا بالقرية من الستينات، ويعانى الأهالى من ويلاته، حيث أفقدهم صحتهم، وخارت قواهم، بسبب الانبعاثات التي تخرج منه، وقد تقدمنا بآلاف الشكاوى على مر تلك السنوات لنقل المصنع إلي خارج الكتلة السكنية ولكن ما من مجيب!، ولم يتضرر سكان المنطقة فحسب بل إن كل المزروعات و الحيوانات تضررت أيضا بشكل أصاب أهل المنطقة فى مقتل فقد خسروا كل شئ ويحيون شبه الأموات.

أما محمد على أحمد الشهير بالحاج بركة، 55 عاما، فيقول: “لا يوجد أى تأثير سلبى يسببه المصنع على قرية منقباد نفسها، إنما التأثير على الجزر فقط القريبة منه وهى جزيرة الطوابية، جزيرة الأكراد، جزيرة العرقوبية، أما منقباد القرية الأم نفسها فلا يصلها سوى غازات بسيطة متطايرة لا تسبب ضررا  كبيرا علي الأهالي”.

ويضيف: يرجع وجود المصنع بالقرية إلى شهر مايو سنة 1960، وهو مقام على مساحة 35 فدانا، ويقطن تلك الجزر التى تفتك بها غازات المصنع أكثر من 20 ألف نسمة، ويعيش الأهالى فى المنطقة المجاورة للمصنع فى مأساة حقيقية فأكثر من نسبة 80% منهم يعانون من أمراض الربو وارتفاع نسبة العقم بين النساء والرجال ووهنت صحة الشباب والأطفال والكبار بشكل ملحوظ، ولم تنل الآثار السلبية للغازات المنبعثة من المصنع من بنى الإنسان، فحسب بل امتدت إلى الحيوانات والنباتات فلا يكاد الحيوان يكمل السنتين بعد مولده إلا وتسقط أسنانه كاملة، وكان نتاج زحف التلوث إلى النباتات، أن تعرض أكثر من 45 فداناً زراعياً بتلك العزب للبوار فلا تنتج نهائيا، فلقد خسرت العزب ثروتها النباتية وثروتها الحيوانية ولم يعد أهلها يملكون أى شئ، فلقد قضى المصنع تماما على كل شئ ، وحكم بالإعدام على الثلاث جزر من جميع النواحى وبلا أدنى رحمة.

يجذب طرف الحديث فنجري علي فاضل سليم، قائلا: “المصنع بور أرضنا وبور صحتنا كمان”، ويضيف: بالرغم من وجود فلاتر بالمصنع لتنقية الانبعاثات ولكنها لا تعمل إلا فى وجود المسؤلين، حين يأتون للمتابعة والمفاجأة أن هذه الفلاتر لا تكفى لتشغيل ربع وحدة بالمصنع، بينما المصنع به 4 وحدات، فحينما يكون هناك مسئول أو مراقب يتم إطفاء 3 وحدات، وتشغيل وحدة واحدة فقط لا تكفى، وبالرغم من أن هناك إمكانية لنقل المصنع، إلا أن المسؤلين لا يعيرون الموضوع اهتماما، وكل يوم يمر على قاطنى المناطق المجاورة للمصنع تزداد المأساة فهؤلاء الناس تنعدم لديهم الحياة تماما بشكل يستحق وقفة من المسؤلين لا إتباع أسلوب اللامبالاة الذى تسبب فى تدمير حياة الآلاف.

الطفل عبدالمنعم محمود عبدالنظير، 5 سنوات، أحد أطفال القرية، الذين يعانون من أمراض صدرية وربوية، بسبب انبعاثات المصنع، حيث يسكن وأسرته في منزل بسيط لاتتجاوز مساحته 70 مترا، ومكون من دور واحد خلف المصنع، ويقول والده محمود عبدالنظير، بدون عمل: ابني يعاني من الربو وحساسية بالصدر، وكحة مزمنة، وحين تأتيه النوبة يرجع مافي بطنه، حتي يرتاح، وذهبت بت إلي أطباء كثرين، ولكن دون فائدة، وليس لدي المقدرة، لأترك منزلي، وأقيم في مكان آخر، بسبب ضعف إمكانياتي المادية، لأنني بدون عمل.

ويضيف  عبدالنظير، أن مصنع السماد قضي على الأراضي المحيطة به، حيث كانت الأراضي الزراعية تنتج محاصيل بكميات كبيرة، ولكن الآن لا تنتج وآخرها ماحدث لمحصول القمح هذا العام، حيث كان إنتاج فدان ونصف من القمح أقل من أردب قمح، بسبب تراكم الأسمدة علي الأرض وحرقها للمحصول.

ويشير عبدالشافي أحمد إبراهيم، إلي تحول حدائق العنب والرمان والنخيل إلى صحراء جرداء ينخر في جسدها سرطان الكيماويات الناتج عن مصنع سماد منقباد، بجزيرة الأكراد المجاورة للمصنع، كما تحولت شوارع القرية إلى تلال من مخلفات الأسمدة، ولم يكتف المصنع بذلك وإنما قضى أيضا على الحيوانات، وإصابتها بأمراض جلدية تنفق علي إثرها.

وفي هذا الشأن يؤكد أحمد عثمان، بالمعاش، أنهم كانوا يقومون بتربية الجمال والمواشي، ولكن للأسف المصنع تسبب في القضاء عليها، وعلى الأراضي الزراعية حيث كان الفدان ينتج 21 أردب من القمح، ولكن تسبب مصنع السماد في قتل الأراضي، حيث ينتج الآن الفدان أقل من أردب واحد، والماعز تساقطت أسنانه، بسبب الكيماوي.

ويوضح شحاتة وهمان، بالمعاش، أن جميع سكان القرية يعانون من الأمراض خاصة أمراض  الصدر والربو والحساسية، بسبب الكيماويات الناتجة عن المصنع، وأنه يعاني من مرض ضعف عضلة القلب وضيق التنفس، بسبب انبعاثات المصنع التي تقتلهم بالموت البطئ، مشيرا إلى أن من يسكن بالصحراء أفضل ممن يسكن جزيرة الأكراد.

وأضاف محمود علي، مندوب مبيعات، أن مصنع دمر أرضنا وجعلنا نهجر منازلنا بسبب تراكم أتربة السماد عليها، مشيرا إلى أن الأهالي قاموا بتحرير محاضر ضد إدارة المصنع، بسبب قتل المواشي وتصحر الأراضي، وجاءت إلى القرية معامل جامعات أسيوط والقاهرة وقناة السويس، وقامت بعمل أبحاث وقمنا برفع أكثر من 50 دعوة قضائية ضد المصنع بسبب تضررنا منه ومن الأتربة والانبعاثات الناتجة عنه، ولكن لم نجد أحد يستجيب لنا، وتسبب المصنع في انتشار الأمراض الصدرية.

وأكد محمد سيد، فلاح، أنه من بعد الساعة العاشرة مساء تعمل المحامص الخاصة بالمصنع بكامل قوتها، وتتسبب في سحابة من الكيماويات والأتربة تغطي سماء القرية، مما تتسبب في حالة من الاختناق، وفي الصباح تتوقف هذه المحامص حتى لا يراها مسئولي البيئة بالمحافظة على الرغم من علمهم بالقضية، ولكن يتجاهلونها.  

من جانبه قال الدكتور نادر شحاتة، رئيس جهاز شئون البيئة السابق بمحافظة أسيوط، إن المصنع فى الفترة السابقة كانت تقدم بسببه العديد من الشكاوى، وخاصة فى يناير 2011، حيث حدث تسرب لغاز ثأنى أكسيد الكبريت، والذى تسبب فى إصابة العديد من الأشخاص بأمراض الصدر وأمراض الرئتين والفشل الكلوى، مما أدى بالسكان المجاورين للمصنع إلى القيام بالعديد من المظاهرات والمطالبة بنقل المصنع من مكانه، وتم تحرير محضر مخالفة بيئية له.

وأضاف شحاتة، أن الفترة من 2004 إلي 2006 هى أكثر فترة تم عمل مخالفات بيئية للمصنع فيها، حيث لم يكن مطابقا للمواصفات والقوانين البيئية، إلا أنه لم يحدث أى وفيات بسبب المصنع، موكدا أن المصنع فى الفترة الأخيرة منذ يناير 2011 وحتى الآن لم يسبب أى ضرر بيئى، حيث أجريت له دراسة حديثة من قبل هيئة الرقابة الإدارية فى شهر مايو الماضى، وجاء نتائج العينات الناتجة عن المصنع مطابقة لقانون البيئة، مشيرا إلي أن المصنع يخضع الآن لهيئة الرقابة الإدارية وقوانينها.

وأكد رئيس جهاز شئون البيئة، أنه تم عمل وحدة غسيل للأتربة الفوسفاتية بالمصنع، وتم أيضا تركيب أبراج المحامص التى تعرف باسم المجففات، كما تم تركيب فلتر حقائبى، وهو أحد أنواع المرشحات القادرة على تصفية الأتربة من الأضرار التى يمكن أن تنتج عنها، وتم تشغيله فى يناير الماضى، لاستكمال منظومة فصل الأتربة وتنقيتها.

 

منقباد  في سطور

الوحدة المحلية: منقباد وتضم عزة أبوالقاسم، وعزبة الجيش، وعزبة السلام، وعزبة القليوبي، وعزبة  البشرة، وعزبة العرقوبية، وعزبة الكر، بينما يتبع الوحدة المحلية لقرية منقباد قري البورة، هدايا، علوان، سلام، بهيج، والعُدر

عدد السكان:180 ألف نسمة

المساحة: 2800 فدان

المساحة الزراعية: 800 فدان

الحدود: من الجهة الشمالية قرية بنى حسين، ومن الجهة الجنوبية الوليدية ومدينة أسيوط، ومن الجهة الشرقية نهر النيل، ومن الجهة الغربية قري علوان وإسكندرية التحرير والهدايا.

تضم: مكتب بريد، نقطة شرطة، مدارس (إبتدائى – ثانوى – إعدادى – أزهرى)، وحدة صحية، وحدة بيطرية، سنترال، مكتب تموين.

تحتاج إلي: مخابز جديدة بسبب ارتفاع عدد السكان.