أهالي عرب القداديح يستغيثون: مقلب القمامة دمر حياتنا.. ومسؤول يعد بالحل

أهالي عرب القداديح يستغيثون: مقلب القمامة دمر حياتنا.. ومسؤول يعد بالحل قرية عرب القداديح ـ تصوير: أحمد دريم

تصوير: أحمد دريم

المسافة ليست بالبعيدة، فبعد استقلال سيارة أبنوب بحري والوصول إلى المدينة أمامك خياران للوصول إلى قرية عرب القداديح؛ إما سيارة ربع نقل غير آدمية، أو الحفاظ على آدميتك واستقلال مركبة توك توك.

وفور الوصول إلى أرض القرية وتحديدا بموقف سيارات الأجرة، يستقبلك مقهى بلدي صغير على يمين الموقف، وآخر على يساره، ليكن هذا المقهى الذي على اليسار محط بدء رحلة الحديث حول مشكلات القرية، والتي جاء على رأسها تواجد مقلب قمامة مركز ومدينة أبنوب ككل بأرضها.

للوصول إلى قرية عرب القداديح؛ إما سيارة ربع نقل غير آدمية، أو الحفاظ على آدميتك واستقلال مركبة توك توك
ضرر

محمود علي، لا يعمل، شاب في العشرينات من عمره، يتشبع وجهه بسمرة الصعيد الأبي، بدأ الحديث شارحا: “القمامة في كل حتة في البلد أول البلد وآخر البلد، وجابوا زبالة المركز كلها وعملولها مقلب عندنا”، فمقلب القمامة الخاص بالمركز ككل لم يكن في قريتنا، وتم نقله إلينا منذ عام، وهو قريب على المنازل وأضر بالناس والمزروعات، وحتى المدافن نفسها صارت مليئة بالقمامة.

قرب

ويلتقط زين عبدالحكيم، لا يعمل، أطراف الحديث من محمود مُكملا: “حتى البهايم الميتة بتترمي هنا”، فكل شيئ سيئ يتم إلقائه بالمقلب، وبعض البيوت قريبة منه جدا، ولقد صارت جحافل من الناموس تنتشر بالقرية، ولا أبالغ إن قلت جحافل؛ فالأعداد كبيرة جدا، والناموس ضخم مخيف ومزعج، ناهيك عن الرائحة النتنة المنبعثة من القمامة والتي تصل إلينا.
ويتابع زين متسائلا: حتى مصانع عرب العوامر تُلقي بالقمامة الخاصة بها بالمقلب، ونحن في فصل الشتاء وستتفاقم مشكلة الروائح الكريهة، فلماذا لا يختارون مكانا بديلا لهذا المقلب في حين أن هناك أماكن أخرى بديلة في الصحراء؟

“حتى البهايم الميتة بتترمي هنا”، فكل شيئ سيئ يتم إلقائه بالمقلب
نقل

مقاعد المقهى تتوزع ما بين كراسي بلاستيكية ودكك خشبية بسيطة، وبينما يتجاذب رواد المقهى حديث الصحبة؛ يقف أحد العاملين به ممسكا بماسك كبير يُقلب به جمرات الفحم ليزديها اشتعالا ليقدمها للزبائن فوق أحجار الشيشة، ومن بينهم ينطلق صوت بهاء عبدالوكيل، فلاح، مؤكدا حديث سابقيه قائلا: أكثر من مكان يُلقي بقمامته بالمقلب، مركز أبنوب ككل ومدينة الوليدية ومركز الفتح، وحاولوا أن يجعلوا المقلب بقرية المعابدة ولكن رفض الأهالي، وحاولوا إقامته في الكلابات ورفض الأهالي، وفي النهاية أتوا به إلى هنا، ونحن نتمنى نقله، فهو على بعد كيلو متر من المنازل، والقرية كلها متضررة منه.

تلوث

ويأتي مصطفى خلف الله، سائق، ليصيح راويا من داخل مركبة التوك توك الخاصة به: “كل شوية داخلين البلد بعربيات تقرف وصرف صحي يقرف، إحنا خلاص قرفنا”، فالسيارات تمر بقلب القرية محملة بجميع أنواع القاذورات، وتفوح منها الروائح الكريهة التي تُعبأ أجواء القرية، وتخنق أنفاسنا منها، ناهيك عن عربات الصرف الصحي التي تأتي محملة بمياه الصرف لتفرغها بالمقلب – وفجأة ضم كفه على أنفه – وصاح مختنقا “الناس كلها بتمشى كاتمة نفسها كده”.
هذا إضافة إلى العربات المحملة بنواتج التطهير “الكباش يبقى مليان زبالة، والمياه تملى البلد والريحة متطاقش”.

أهالي عرب القداديح يستغيثون: مقلب القمامة دمر حياتنا
المقلب

كان لابد من زيارة لموقع المقلب ليتحرك التوك توك صوبه.. الصحراء تعم المكان، وبريق اللون الأخضر المتلألئ على الزراعات بدأ يتلاشى مع تتابع الخطوات.. الطريق ترابي ضيق مليئ بالزلط كبير الحجم، ومركبة التوك توك لا تقوى على السير، تشعر أنها مريض بضيق تنفس يلتقط  أنفاسه بصعوبة، تتأرجح المركبة يمينا ويسارا وأنت بداخلها لا تعرف بماذا اصطدمت من كثرة العوائق بالطريق.

الصحراء تعم المكان، وبريق اللون الأخضر المتلألئ على الزراعات بدأ يتلاشى مع تتابع الخطوات.
أجواء

الأجواء مقلقلة؛ والغربان تحوم حول الجيف المتناثرة بأرجاء المكان، والكلاب تتوزع على طول الطريق، وفجأة شق حجاب تلك الأجواء المخيفة صوت أشرف ربيع، فلاح، ليروي حكايته قائلا: “المقلب دمر العرب” فكل شيئ سيئ حدث لنا بعد نقل هذا المقلب للقرية، فأنا من سكان تلك المنطقة القريبة من المقلب، وفي كل يوم تأتي الكلاب “عشان تاكل الرمم والديابة هربت علينا من الجبل عشان تاكل البهايم الميتة”، فكل يوم أو يومين نقتل ذئب.
ويكمل: لم تكن بقريتنا تلك الحيوانات المفترسة بهذا الشكل من قبل، وأنا بنفسي قتلت ذئبين، وفوق ذلك الدخان المنبعث من حريق القمامة بعد المغرب يخنقنا ويدخل إلى البيوت، ولا نقوى على الحياة وينزل إلى القرية في الأسفل، فالمقلب أضر بالكثير من الناس “الكياس بتاعت الزبالة بتطير وملت الزرع، والدخان والزبالة أثروا على الزرع والزرع بيموت”.

 

خطر

الكلاب تجول بالمكان، والجميع يقف مترقبا يخشى غياب الشمس التي بالفعل أوشكت على المغيب، واستأنف أشرف حديثه: مع حلول المساء لا يمكن أن نمر من هذا المكان، فلقد أصبح مكان المقلب في المساء مكانا محظورا، فالحيوانات المفترسة بدأت بالذئاب ومعها الكلاب المفترسة، ولا نعلم ماذا سيأتي إضافة إليهم “الكلاب والوحوش ملوا المكان”.
ويكمل، ذات ليلة كنت قادما بجركن من البنزين آتيا من الطريق الصحراوي، وكنت أنوي المرور من هنا، ولكني رأيت هذه الحيوانات الضالة، فعلى الفور دون أدنى تفكير قررت تغيير الطريق “لو خطيت خطوة أكتر من كده كانوا كلوني أنا نجيت بحياتي”.

الأجواء مقلقلة؛ والغربان تحوم حول الجيف المتناثرة بأرجاء المكان، والكلاب تتوزع على طول الطريق
حيوانات

“رايح فين يا عم مصطفى؟ متتأخرش فوق الدنيا قربت تضلم والديابة بتنزل”، كان هذا صوت شاهر معروف، فلاح، من سكان المنطقة المجاورة للمقلب في طريقه تجاه القرية، وفور إخبار العم مصطفى، السائق، له بأننا صحفيين صاح من فوق دراجته البخارية: “المقلب هيموتنا”، إنه يفتك بنا فبسببه انتشر الناموس بكل القرية، وزحفت علينا الزواحف، ويضر بالمزروعات من ريحان وباذنجان وبطاطس وغيرها، وخنقتنا روائح الدخان المنبعثة من احتراق القمامة، والأشد ضررا هو رائحة القمامة نفسها، “على المغرب كده الديابة بتنزل وطول اليوم الغربان بتاكل في الجيف”.

صمت حديث شاهر وأكمل سائق التوك توك رحلته صوب المقلب، وأول ما بدأ يلوح كان جيف لحيوانات ميتة أغلبها متحلل، وألسنة دخان متصاعدة من أكوام قمامة مشتعلة بمكان صحراوي متسع، ممتد على مساحات كبيرة، ينبثق منها جذور لنبات القمح المنزرع من فترة.

المقلب

وبأرض المقلب كان ناصر فتحي، فلاح، أحد سكان المنطقة عائدا من مكان ما تجاه منزله ليتوقف قائلا: “المقلب هيموتنا وموت بهايمنا”، لقد انتزع المسؤولون منا الأرض، وكنا نزرعها وهي أملاك دولة، ولم تكن مربوطة على أسمائنا، واقترضنا ديونا من البنوك وحولنا تلك الأرض الجرداء لأرض زراعية، ومنا من هو مهدد بالحبس بسبب ديون البنوك لأجل زراعة تلك الأرض، وكانت كلها مزروعة بالقمح، ولكن اليوم صارت كما ترون مجرد أرض مجرفة تحولت إلى مقلب قمامة.

يتابع: “إحنا متأذيين من العفانة والناموس، وحتى البهايم ماتت، والناس كلها بتقول قاق”، ولقد كان هذا المقلب في آخر القرية، وفجأة أتوا به إلى هنا رغم أن المكان الأول كان أفضل بكثير.

وما كاد ناصر ينهي حديثه حتى تجمع جمع من الأهالي قائلين: هذه الأرض كانت تُزهر بسنابل القمح، “الأرض دي كانت فاتحة بيوت ناس، كانت أرض جبل ودلوقت بقت أرض زرقة”، وهذه المساحة تصل إلى 1700 فدان، ونعلم أنها أرض أملاك دولة، وحاولنا تقنينها، ورفض المسؤولون ونحن مستعدون لشرائها.

أهالى عرب القداديح يستغيثون: مقلب القمامة دمر حياتنا
صرف

ومن مشكلة المقلب إلى مشكلة الصرف الصحي، ليتحدث محمد عرابي، محام، موضحا: لم يصل الصرف الصحي إلى القرية بعد، ولهذا فالشوارع مليئة بالمياه طوال اليوم، وتكسرت وصار بها مطبات بسبب حفر المياه المسكوبة، وهناك وسيلتان لتصريف المياه بالمنازل، إما الآبار المنزلية وهي الأكثر عددا أو القيسونات، وهي الأقل عددا وتُحفر على أعماق كبيرة.

الشوارع مليئة بالمياه طوال اليوم، وتكسرت وصار بها مطبات بسبب حفر المياه المسكوبة
أخرى

فيما طالب الأهالي بتوفير مكتب بريد، لأن كبار السن بالقرية يعانون في رحلة الذهاب لأبنوب لتقاضي المعاش، ويقطعون قرابة الـ16 كيلو متر ذهابا وإيابا، بخلاف مصروفات المواصلات.

وطالب آخرون بعربة مطافي، لأن الحرائق حينما تشب تتسبب في حرائق جمة تلتهم عشرات البيوت.

وجاء من ضمن مطالبات الأهالي أيضا، إصلاح الملعب الخاص بمركز الشباب، وطالبوا كذلك بسوق خضروات، حيث أن القرية تخلو من الأسواق تماما، ويضطرون للنزول إلى أبنوب لشراء احتياجاتهم، حيث لا يوجد سوى بائع واحد بالقرية، والباعة الآخرين يأتون أيام وأيام.

وحول المواصلات شكوا أن الوسيلة الوحيدة عربات ربع نقل غير آدمية، معبرين عنها بقولهم “العربيات دي معروفة إنها للبهايم”. كما طالبوا أيضا بإنارة الشوارع ومنطقة المدافن.

أهالى قرية عرب القداديح يطالبون بإنارة الشوارع ومنطقة المدافن.
مسؤول

إلى الوحدة المحلية بالحمام، التى تتبع لها قرية عرب القداديح، ليرد سعد أنيس، رئيس الوحدة المحلية على شكاوى الأهالي قائلا: بالنسبة للمقلب فالأمر في طريقه للحل، فتم الاتفاق مع شركة الأسمنت، بحيث يتم نقل القمامة من مركز ومدينة أبنوب إلى المصنع في قرية بني غالب التابعة لمركز أسيوط.
ويكمل: بدأنا فعليا في تطبيق الأمر وأرسلنا أول قلابين، وسوف يتم توجيه جميع القمامة إليها فيما عدا الأتربة والرديم.
فلقد صدر قرار بذلك وتم تطبيقه، ومن يُلقي بالمقلب هو مركز ومدينة أبنوب فقط وليس أماكن أخرى.

يتابع: أما بالنسبة للإنارة، ففي الخطة، وبعد حوالي عشرة أيام ستتوفر لمبات وسوف يتم إنارة جميع الأماكن المحرومة.

القرية

المركز: أبنوب

الوحدة المحلية: الحمام

عدد السكان: حوالي 11 ألف نسمة

الحدود: من الجهة الشمالية عرب العطيات، من الجهة الجنوبية عرب العوامر، من الجهة الشرقية المدينة الصناعية ومن الناحية الغربية الطريق الصحراوي.

الوسوم