مشاهد مؤلمة، أعادتني إلى ما كان يحدث حتى عهد قريب، كان الناس يتجمعون، يتراصون، يقفون في طوابير طويلة، تمتد لعشرات الأمتار، تلفحهم أشعة الشمس الحارقة في نهار الصيف القائظ، في انتظار الفرج، أو خروج عم فرج، ليبشرهم بقرب توزيع العيش عليهم.
هذا الفرج هو نفسه الذي كان ينتظره العم كحول، الرجل الثمانيني، الذي كان يعاقب ذاته بالجلوس من السادسة صباحًا في انتظار سيارة البوتاجاز، ليحجز لنفسه مكانًا في الصف الأول، حتى يتمكن من تغيير أنبوبته، ويعود قرير النفس لزوجته، بعد أن حصل على وليمة تكفيه لمدة 10 أو 15 يومًا في أيام الشتاء الباردة، وبذلك يهرب من توبيخ وملامة زوجته، في حال فشله في الحصول على أنبوبة.
تلك المشاهد تراءت أمام عيني اليوم، حين شاهدت رجالاً ونساءً شيوخًا وشبابًا، يتجمعون حول كشك خشبي أمام مجلس مدينة أبوتيج في أسيوط، يقوم بتوزيع 2 كيلو سكر للفرد بسعر 7.5 للكيلو، هذا المشهد أحالني لطوابير العيش والسولار والبوتاجاز والبنزين، وكيف أننا نعيش بالفعل على ذكرى الماضي، ولا نرضى عنها بديلاً، فيبدو أن المسؤولين في بلدنا “صعبان” عليهم ألا يروا طوابير أمام المخابز أو مستودعات البوتاجاز، فأعادوها بشكل آخر أمام مجالس المدن والوحدات المحلية.
الباعث على ما أقول هو سؤال راودني وسألت عنه فأتت إجابته أن ما يحدث بسبب المصالح والقطاع الخاص.. كانت مفردات سؤالي عن سبب دخول المحليات في معترك التموين؟، ولماذا لا يتم تسليم كميات السكر على البطاقات التموينية دعمًا للآدمية؟، فكانت الإجابة – كما ذكرت سلفًا- إذن بلد تدار بشكل عشوائي، وبدون تخطيط، كيف تنجح؟
ما دخل مسؤولي المحليات بتوزيع السكر؟، ولماذا يتدخل برلماني في جلب حصص سكر وتوزيعها على أهل دائرته؟، هل هذا نوع من الرشوة الانتخابية؟، أم شراء لذمم النواب للسكوت عن أداء الحكومة الهزيل؟
أسئلة تحتاج إلي إجابات قاطعة، لأننا للأسف الشديد، ليس أمامنا مجالاً للتجربة، فقد فاض بنا الكيل من سياسات خاطئة، يدفع الشعب ضريبتها يوميًا، وبالرغم من ذلك مازال صامدًا لعل الحال يتغير، والأمور تتبدل إلى الأفضل.