نحن في زمن عزّت فيه الشفافية، وارتفع ثمنها حتى وصل إلى عنان السماء، تجدنا نتحدث كثيرًا عن غياب الحقيقة، ونجهل أبسط واجباتنا نحو “الحق”، نعكف على رمي الناس بالباطل، ولا نبذل أي جهد في التحقيق بالوقائع، نعبث بمفردات الأشياء، دون ذكر للمعاني، نسطح الأمور قدر معرفتنا الضئيلة، مستندين إلى أباطيل القول، دون وعيٍ أو اجتهاد، نرمز إلى الأمور بشكلها، ولا نعرج إلى المضمون، نتلاعب بالألفاظ يمينا ويسارًا، دون إدراك أن هذا الأمر قد يودي بنا إلى النار “سبعين خريفًا”.

قول الحقيقة أصبح، ليس فقط مرًا، وإنما “حنظلًا”، والأدهى من ذلك، أن تحري الكذب أصبح عادة، لإنكار حقيقة واقعة لا لبس فيها، يراها الإنسان رأي العين، ناهيك عن المجادلة والفتْي بدون علم، فحدث ولا حرج، فالأمور جميعها أصبحت مباحة، والثوابت وطأت بتفاهة العقول، حتى أصبحنا، نجتهد مع النص الإلهي – الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه – بل ونزعم أننا بذلك نجدد ونحدث، وأن من يراجع هؤلاء الآفاقين، يكون ضد الديمقراطية وضد الاجتهاد، وإلى غير ذلك من الأمور التي أصبح مجتمعنا يعج بها، وتحتاج إلى مراجعة ووقفة حقيقة مع النفس، وأن نترك هوانا ولا نتمنى على الله الأماني.

الغريب والعجيب في الأمر أن الكذب يجد من يصدقه، ويستمع إليه، ويستفيد منه في مجتمعنا، ويطابق ذلك قول الله تعالي “سمّاعون للكذب آكلون للسحت”، وبالتالي فإن غياب الشفافية، صنعت منافقين، يأكلون على جميع الموائد، يتفننون في صناعة الكذب، والتضليل، بل ويبعونه، ويتاجرون بأمواله في تربية أجيال سطحية، كاذبة، مخادعة، مأجورة، هدفها في الحياة عزلة الناس عن الواقع، وخرط المجتمع في الضلال والإفك، وهو ما يحدث حاليًا، في عصر الميديا، الذي يقدم أشكالًا وأنواعًا من القصص المختلّقة، عبر وسائطه المختلفة، التي تنخر في عظام المجتمع، وتؤصل لآفة الكذب، وتدخلنا في دوائر مفرغة، من غياب الوعي، وانعدام الضمير، تكاد أن تفتك بالإنسانية، جراء الفتن، التي تصنعها ليل نهار.

الباحث عن الحقيقة، يشغله دائمًا، أن يضع جميع النتائج والمعطيات، أمام الرأي العام، دون تجميل أو زخرفة، لأننا مهما اجتهدنا في تقديم الحقائق، فإننا لا نقدم سوى صورة من صور الحقيقة، لأن الحقيقة الكاملة يعلمها الله.