الجاهل والجاحد.. قصة يكتبها عادل حافظ

الجاهل والجاحد.. قصة يكتبها عادل حافظ عادل حافظ ـ عميد صحفيي أسيوط

سميحة الابنة الكبرى لوالديها، الأب موظف إداري بسيط بالوحدة الصحية للقرية الصغيرة، والأم تعلمت حتى الشهادة الإعدادية، إلا أنها كانت مولعة بفن تصميم وحياكة الملابس النسائية فاكتفت بالإعدادية واحترفت تفصيل ملابس وفساتين فتيات القرية، وصارت بعد زواجها أشهر وأمهر من تخيط ملابس النساء، ولأن والد سميحة كان متعلما وتم تعيينه بدبلوم التجارة، فقد أورث ابنته الوحيدة وشقيقيها الصغيرين حب التعلم وعشق القراءة والاطلاع وشجعهم على استعارة الكتب المختلفة من مكتبة المدرسة لزيادة حصيلتهم الثقافية وتوسيع آفاقهم العلمية،  وحصلت سميحة على الشهادة الإعدادية بتفوق شجعها على مطالبة الأب أن تكمل تعليمها بالمرحلة الثانوية في المدرسة الثانوية للبنات بالقرية المجاورة، التي تبعد عن قريتهم بأكثر من أربعة كيلو مترات، مما اضطرها لكي تستقل ذهابا وإيابا سيارة ربع نقل مكسوة بغطاء سميك من قماش رخيص لا يمنع حرقة وقيظ الصيف ولا يحمى من صقيع الشتاء القارص، لكن هي وسيلة النقل الوحيدة المتاحة.

سميحة بدأت ملامح أنوثتها تبرز وتعلن عن فتاة جميلة، وهي ترتدي أجمل الملابس التي تصنعها والدتها ببراعة واقتدار، وسارت سميحة في مسيرة التعليم حتى السنة الثانية الثانوية دون مشكلات تذكر، إلا أن شيئًا ما كان يتربص بها ويريد اقتناصها لنفسه في الوقت الذي كانت الفرحة تغمر سميحة وتسيطر عليها أحلام الالتحاق يوما بالجامعة في عاصمة المحافظة، كان عبده ابن عمها سالم الشقيق الأكبر لوالدها يرسم لها مستقبلا آخر يتوافق وطموحاته هو فقد قرر الزواج منها، والآن فلا مدرسة ولا تعليم، وابن عمها هذا لم يتلق أي نوع من التعليم واكتفى بالعمل فلاحا في بضع قراريط من أرض زراعية ورثها الشقيقان الوالد والعم.

وكان موقف والد سميحة غريبا بالموافقة على زواج ابنته من نجل أخيه الأكبر، وعبثا حاولت سميحة وأمها إقناع الأب بعدم الانصياع لفرمان شقيقه الأكبر دون جدوى، وتحطمت كل آمال وأحلام الفتاة على صخرة – الفرمان السلطاني- وتزوجت سميحة مكرهة ورغما عن إرادتها، ومع مرور الأيام الأولى لزواجها سقط من قاموس حياتها الزوجية أي مودة أو حنان أو رحمة ولا حتى العطف، وصارت حياتها معه مجرد أوامر وشخط وعنف ووحشية حتى في علاقتهما الحميمية، حتى كرهت من أعماقها تلك اللحظة التي يسوقها فيها إلى مذبح الزوجية، وكانت تحاول في كل مرة تساق فيها إلى مصيرها التهرب من اللقاء بحيلة جديدة حتى لا تعيش وتراه وهو يغتصب جسدها بوحشية ويسحق أنوثتها وينتهك كرامته ليحقق لنفسه الإحساس برجولته وفحولته.

 وتحولت حياتهما التي طالت عاما كاملا إلى مسلسل يومي من الشجار الدائم والمرارة والغيرة الشديدة، نعم الغيرة لأنها متعلمة حتى الثانوي، وهو لا يكاد – يفك الخط-  وكأنه يعاقبها أنها نالت هذا القسط من التعليم، وكان هذا الأمر يظهر واضحا جليا لو أبصرها يوما تمسك بجريدة أو مجلة أو كتابا تقطع بقراءته قليلا من الملل واليأس الذي يملأ حياتها مع هذا الزوج، فيختطف ما تقراه ويمزقه بعنف وعصبية غريبة تفضح كراهيته وحنقه الشديد أنها متعلمة تقرأ وتكتب.

وفي وسط هذا الجو الخانق استيقظت سميحة على حقيقة لم تحسب أنها ستحدث، حيث اكتشفت أن في أحشائها بذرة لجنين يتخلق وينمو داخلها، وحتى هذا الوقت لم يكن والدها يعلم عن حقيقة حياتها الزوجية شيئا، تحملت كل هذا وحدها حتى حان وقت ولادة الجنين فانتقلت لأول مرة منذ زواجها لتقيم بمنزل أبويها لتضع حملها، إلا أن إرادة الله تدخلت لتصنع نهاية أخرى حيث خرج الجنين قبل موعده “سقطا ميتا”، ويعرف الأب تفاصيل ما عاشته ابنته الوحيدة في بيت زوجها، وكان مفاجأة له قرر على إثرها عدم عودة ابنته لحياتها الزوجية وتم له ما أراد ووقف بصلابة هذه المرة أمام شقيقه الأكبر ليضع حدا لمعاناة ابنته، وتحقق أمل سميحة أخيرا في الخلاص.

خرجت سميحة من محنتها وكلها تصميم أن تعود إلى سيرتها الأولى طالبة بالثانوي، وبالفعل توسلت لوالدها أن يدعها تستعيد ما فقدته في زواجها من ابن عمها، ولأن الرجل كان يؤرقه تأنيب ضميره لمسؤوليته عن تعاسة ابنته لرضوخه لإرادة شقيقه الأكبر، فقد آثر أن يتركها تكمل تعليمها وتنجو بنفسها، حيث انتظمت بالمدرسة وخلال عامين حصلت على الثانوية العامة بمجموع أتاح لها دخول كلية التجارة في عاصمة المحافظة التي تتبعها قريتهم وتبعد عنها بأكثر من 40 كيلو مترا، وابتسم لها الحظ بعد طول عبوس وتجاهل وقبلت بالمدينة الجامعية وصار كل همها بعد أن أنطفا سريعا لديها وهج وبريق العاصمة وضوضائها أن تحصل على شهادة البكالوريوس ليكون مصيرها ومستقبلها بيدها بعد توفيق الله حتى لا تشرب من ذات الكأس مرة أخرى.

 ومرت الأيام والسنوات بأسرع مما تخيلت حتى ظفرت بالبكالوريوس بتقدير جيد، ونجح والدها خلال شهور قليلة عن طريق صديق له في إيجاد عملا لها في فرع البنك التجاري الوحيد بالمدينة عاصمة المركز الذي تتبعه قريتهم على بعد قرابة 10 كيلو مترات، وتسلمت عملها بالبنك وبدأت تحقق ذاتها وتشعر بكينونتها وقبل انقضاء عام على عملها كان مدير الإدارة التي تعمل بها قد لفتت نظره بحماسها وانغماسها في العمل، فضلا عن جمالها الهادئ وأنوثتها، ورغم أنه متزوج منذ سنوات طويلة إلا أنه لم ينجب، وهو يكبرها بنحو 15 عاما، إلا أن سميحة لم تتردد في القبول به زوجا فقد كان خيارها الوحيد أن تعود إلى الحياة وتعيش عمرها كامرأة وتستعيد الفرحة وتنتزع السادة التي حرمت منها يوم زوجوها طفلة.

عاشت سميحة أجمل أيام عمرها 6 سنوات من السعادة أعطت حياتها وكل عمرها لهذا الزوج ورضيت بأن تقتسمه مع زوجته الأولى ومنحته في الـ6 سنوات طفلين جميلين، وهو ما عجزت أن تقدمه الأولى له في 14 عاما، وبدون مقدمات ولا أسباب قرر  كارم المدير والزوج الانفصال والعودة كاملا لزوجته الأولى – حب عمره- كما كان يردد وترك لها الطفلين ترعاهما وتتولى تربيتهما، وحتى هذا الأمر لم تناقشه أو تعترض عليه، وتولى كارم توفير مصروفات الطفلين وتولت هي رعايتهما وتربيتهما، بل وكانت تبعث بهما إليه حتى لا تحرمهما من رؤيته ولا تحرمه من متعة الاطمئنان الدائم على طفليه.

ومرت سنوات امرأة أعطت وقدمت ولم تعش السعادة سوى سنوات قليلة ورضيت بل واستسلمت قانعة بنصيبها من الدنيا وزوج عاد يرتمي في أحضان زوجته الأولى وضن بحنانه وحبه وعطفه على الثانية التي حققت له حلم عمره في الإنجاب والأبوة، وشاءت الأقدار أن يسقط كارم والد الطفلين مريضا بمرض عضال لم يتم تداركه وعلاجه بالسرعة الواجبة فتفاقم المرض واستشرى بجسده فأوهن قواه وأقعده الفراش لا يقوى على شىء، وزوجته الأولى تمرضه وترعاه شبه مرغمة وبدأ السأم والضجر والضيق يسيطر عليها بعدما تعدى العام قعيدا عاجزا بلا أمل، وقررت إرساله بحالته تلك إلى زوجته الثانية أم أولاده لتتولى تمريضه ورعايته بعد أن استحوذت عليه صحيحا معافى وحرمت أم أولاده من نصيبها المتواضع في عافيته.

جاءت به مريضا قعيدا عاجزا حتى عن قضاء حاجته، ولم يبق منه سوى أنفاسه وآهات أوجاعه وآلام مرضه الخطير ودموع اعتذاره لزوجته الثانية عما سببه لها من آلام وعذابات يوم انفصل عنها بلا سبب سوى إرضاء الأولى، هونت سميحة على زوجها ووالد ابنيها، واكتفت أن يكون عزاؤها إكمال مهمتها في رعايته وهو يرى ابنه وابنته منها حلم عمره وأمله يتحلقان حوله وهو يداعبهما بما تبقى له من أنفاس تربطه بالحياة والابتسامة تعلو ثغره الشاحب وصفرة الموت تشي باقتراب النهاية حتى أسلم الروح مع أخر ملعقة دواء تعطيها له.