“الزين”: مهنة التربي خدمة لله وتنفيذ لوصية والدي.. بس كلام الناس بيوجع

“الزين”: مهنة التربي خدمة لله وتنفيذ لوصية والدي.. بس كلام الناس بيوجع الزين عبدالرازق محمود، تربي بمركز الفتح ـ تصوير: أحمد دريم

تصوير- أحمد دريم

شمس النهار تكاد أن تغيب.. عكازه الخشبي ينقر أرض المقابر ويلامس رمالها التي تحوي أسرارا لا يعلمها إلا هو من بعد الله.. الأجواء هادئة جدا ولا أحد يسكن هنا سوى من كانوا بالأمس جسدا ناطقا، وصاروا اليوم فتات عظام واراها الثرى، ويعتنى بهم هذا الرجل الذي أطلقوا عليه اسم “التربي”.

العم “الزين” الرجل الزاهد، ستيني العمر، صديق سكان تلك البقاع الهادئة والمؤتمن على أسرارهم، فتح لنا أبواب قلبه للحديث عن مهنته وعن أحواله عبر التقرير التالي.

ما بين قبور الموتى وزوار للمكان من أهلهم، وعلى أرض رمال المدافن التي تلونت بلون شمس المغيب، كان  الزين عبدالرازق محمود، 61 عاما، ابن قرية زرابي بصرة بمركز الفتح، والذي يعمل في مهنة “تُربي”، يتفقد أحوال سكان المكان ويُلقى عليهم التحية.

وصية

توقفت خُطى عكازه عند درجات سلم المسجد الكائن بمنطقة المقابر، ليتخذ منه متكئًا ليُريح قدمه المتعبة ويبدأ من فوقه حديثه قائلا: ورثت المهنة عن أجدادي “أبويا من بعد أبوه، وأنا من بعد أبويا وهكذا”، وأنا لم أكن أعمل بها في بداية حياتي؛ أنا فقط كنت أساعد والدي، ولكن وقت وفاته أوصاني قائلا “الخدمة أمانة في رقبتك”، فنحن لم نمتهنها كمهنة ذات أجر، بل كخدمة وعهد وشيئ اعتدنا عليه وتوارثناه.

بداية

يتابع: بدأت العمل بها منذ حوالي ثلاثين عاما، وكنت وقتها ابن الثلاثين عاما، وكنت موظفا بإحدى الشركات، وتركتها لأجل تنفيذ وصية والدي والتفرغ لخدمة المقابر والموتى “وعايش دلوقتي على فيض الكريم”.

لقد أحببت المهنة كخدمة لله وأمانة سلّمها لي والدي، وليس لدي أي مصدر دخل آخر، ولا أملك حتى قيراط أرض واحد، “طلعت لقيت أبويا كده والحمد لله والستار ربنا”.

صبا

وعن أول مرة دخل فيها إلى عالم المهنة، بدأ العم الزين يسترجع ذاكرة صباه موضحا: بدأت تعلمها حينما كنت أخرج مع والدي لدفن الموتى، وكان عمري وقتها 15 عاما “كنت بروح مع أبويا أتفرج بس، مكانش عندي جرأة أنزل القبر، وبعد ما أبويا مات نفذت وصيته”، وفي أول مرة تحملت أعباء المهنة وحدي بعد وفاة أبي كانت “نفسيتي مرتاحة، دي قوة إيمان ومش أي حد ينزل القبر والمنامة”، واختلف الإحساس تماما عن أول مرة أنزلها وأنا ابن الخامسة عشر أو العاشرة، فوقتها كانت هناك رهبة، أما بعد ذلك فكل شيئ كان على ما يرام، وأنا اليوم في قمة الراحة “خلاص وصلت الـ 61 سنة”.

العم “الزين” ليس لدي أي مصدر دخل آخر ولا أملك حتى قيراط أرض واحد
أسرار 

“دي أسرار”، هكذا وصف العم الزين علاقته مع الموتى مستأنفا حديثه: أي شيئ يخص الميت أو ألاحظه عليه مهما كان لا أبيح به لأي شخص هذا أمر مستحيل.

رهن

وحول مواعيد عمله وطبيعته يقول: أنا طوال اليوم رهن مهنتي فهناك من يطرق بابي للدفن بعد من منتصف الليل وحتى الفجر، “بصحى من عز نومي، ولو قاعد آكل أسيب اللقمة وأقوم للجنازة”.

وكم من جسد واراه الثرى ما بين غريق ومريض وحادث وخلافه، ولكم احتضن ذات التراب وتلك الرمال أعمارا هي في عمر نبت الزهر، فجميع الأعمار ترقد هنا بلا استثناء جميعهم دخلوا من فتحات تلك القبور التي لا خروج منها.

أنا طوال اليوم رهن مهنتي فهناك من يطرق بابي للدفن بعد من منتصف الليل وحتى الفجر
نفحة

وكأن وجهه الأسمر قد حفرت الشمس فيه أشعتها من طول مراقبة المكان حفاظا على العهد، ليستأنف العم الزين حديثه: طوال رحلة عمل والدي ونحن نعمل بتلك  المهنة بدون أجر “اللي يقدّر يقدّر واللي ميقدرش ميقدرش”، فأي مبلغ مهما كان زهيدا يعطيه لنا الناس لا نقول هذا كثير ولا قليل، ولا نطلب من أي شخص أي أجر أصلا “أنا عمري ما قاولت واحد واشترطت عليه فلوس”.

فهناك من يدفع عشرين جنيها وهناك من يدفع خمسين وهناك من يدفع مائة أو لا يدفع من الأصل، “هي حاجة كده زى نفحة”، فتلك خدمة لأجل الله “يعلم ربنا مفيش أي دخل خالص والدنيا غالية”.

وكأن وجهه الأسمر قد حفرت الشمس فيه أشعتها من طول مراقبة المكان
رحلة 

يده لم تتوقف عن الحركة طوال حديثه في محاول شرحه لخطوات عمله حتى إنه كان يرسم ويخطط طريقة الحفر على درجات السلم بلا حبر ولا طبشور ولكن بأصابع يديه، ليوضح آلية عمله شارحا: أحفر القبر و “أشرك الشركية، يعنى بفتح فتحة في الحيطة وأعمل مرقد للجثة عشان أرقدها فيها”، ثم أدخل بداخل القبر أتلقى الجثمان. أما في “الفسقية” فأنا أُدخل الرمل وأصمم مرقدا بالرمل “وأدخلها وأريحها”.

يتابع: “في أرض ساهلة وأرض ناشفة، والأرض الناشفة صعبة جدا في الحفر، بييجى نفرين تلاتة من أهل الميت يحفروا معايا القبر”، ولكن أنا من يفتح الشركية “فتحة في الحائط”، ومهما كان الأمر صعبا فغير مسموح لأحد أن يكون معي “وأفضل أحفر فيها لحد ما يقويني ربنا”.

إهانة

توقفت كلمات العم زين واحتضن عكازه بسيط الحال، ذاك العكاز الخشبي البسيط هو تماما ككل شيئ بسيط بحياة ذاك الرجل، متواضع مرصع بالزهد والرضا، وأخذ يتحدث عن أوجاع مهنته بنبرة حزن قاسية قائلا: “في ناس بتحسسني إني مش حاجة في البلد”، والحقيقة أني ابن عائلة وابن أهلٍ كِرام، وما أقدمه لمن حولي هو خدمة لأجل الله، وأهل تلك الأرض الطاهرة من موتى؛ هم بين يدي الله عز وجل، “إحنا بنخدمها لله بس محدش فاهم كده، هنا إحنا بنعمل للآخرة إحنا زوال على الدنيا بس كلام الناس بيوجع”.
ومن كثرة كلام الناس المُوجع فكرت مرارا في ترك المهنة “كلامهم بيحز في في نفسي”، وحتى أولادي طالبوني كثيرا بتركها، واشتاطوا غضبا لما يسمعونه واحترقت أعصابهم على أبيهم الذي يقدرونه ويرفضون أن يمسه أي أحد مهما كان بأي سوء.

يتابع: كثيرا ما كنت أعود للمنزل حزينا مُثقلا بكلامهم الموجع فتسألني زوجتى ما بك؟ فأروي لها ما أسمعه من مضايقات فترد قائلة: “خليك مع ربنا وسيبك من الناس”.

رفض

وعن أولاده واستكمال المسيرة يقول: الأجيال تختلف “العيال متضايقين”، فلقد وهبني الله 6 أبناء؛ إثنين ذكور وأربع إناث، وجميعهم يريدون لي حياة أفضل، وطلبوا مني مرارا ترك المهنة “بس أنا مهادوتش عيالي” وقلت لهم: لكم وضعكم ولي وضعي، عيشوا حياتكم كما شئتم وأنا لم أجبر أحدكم على شيئ، أما أنا فلن أخون عهدي مع والدي، ولن أترك مهنتي التي اخترت أن تكون خدمة لأجل الله عز وجل “دى أمانة ادهالي ربنا لحد ما أروح لربنا وأقابل وجه كريم”.

ولقد رفض أولادي تماما استكمال مسيرة تلك المهنة، ومن يعمل بها هو أنا وأخي فقط، وبقية إخوتي يعلمون أعمالا عادية، وهذ المهنة لن توفر لأبنائي حياة كريمة في ظل ظروف الحياة الصعبة “دى متفتحش بيت”.

مرض

صار عكاز العم الزين هو قدمه الثالثة التي تستند عليها قدمه المريضة والتي لا يقوى على علاجها،لأنه لا يملك تكلفة العلاج، ورغم ذلك يُصر على استكمال مسيرته في مهنة تأخذ منه ولا تعطيه ليستأنف حديثه: بدأ المرض ينهش جسدي “فضلت سنتين أتعالج وبعت كل أرضي اللى سابهالي أبويا وصرفتها على العلاج” إلى أن باغت المرض قدمي، وها أنا اليوم بحاجة لعملية تغيير مفصل، فمع كِبر السن وهنت قدمي “تعبت.. ركبتي متحملتش المهابرة”، ورغم ذلك مستمر في مهنتي رغم كل الآلام التي أقاسيها وأنا أجهز لدفن الموتى، ورغم كبر سني ونهش المرض لجسدي، ولكن الأهم أني استعنت بالله، ومحافظ على عهدي مع ربي وعهدي مع والدي، كما أني اعتدت على أن أتنفس نسمات هذا المكان، وأعيش بين سكانه، فبيني وبينهم عهد لن ينقطع حتى ألقى الله مثلهم، وأكون يوما رفيقهم تحت الثرى.

الوسوم