الشاعر يونس القاضي.. مؤلف النشيد الوطني وأول رقيب على المصنفات الفنية

الشاعر يونس القاضي.. مؤلف النشيد الوطني وأول رقيب على المصنفات الفنية الشاعر يونس القاضي، مؤلف النشيد الوطني المصري

قرابة النصف قرن مضت على رحيل الشاعر المنسي في تاريخ الفن المصري، ذلك الشيخ المعمم الذي خرج من الأزهر، والذي تم اعتقاله مرات عدة بسبب كتاباته التي كان ينشدها الشعب خلال ثورة 1919م وغيرها.

هو مؤلف النشيد الوطني الذي نردده منذ عقود، وهو أول رقيب على المصنفات الفنية، هو الحاضر بكلماته، الغائب حقه في التقدير، إنه الشاعر يونس القاضي، الذي لا يعرفه الكثيرون رُغم كتاباته الباقية والمحفورة في الأذهان.. “الأسايطة” ألقت الضوء على مسيرته العطرة في التقرير التالي:

مفارقة نادرة

بداية يقول الشاعر أحمد الشافعي، رئيس نادي الأدب المركزي بأسيوط، إنه من المفارقات النادرة والسارة لأبناء الصعيد عامة، ومحافظة أسيوط  خاصة في الثقافة العربية أن تجد عددًا من الأعمال الشعرية التي أطربت الكثيرين وحركت وجدانهم، وأصبحت كلماتها على كل لسان، لتعبر عن مشاعرهم مثل النشيد الوطني المصري الشهير “بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي”، أو “حب الوطن فرض عليّا.. أفديه بروحي وعنيا” أو “زروني كل سنة مرة” أو “أنا هويت وانتهيت” أو “يمامة حلوة ومنين أجيبها.. طارت يا نينة عند صاحبها”، وغيرها من الأغاني التي لمست الوجدان المصري والعربي من ورائه، وأصبحت بلا شك أشهر من مؤلفها الذي لا يعرف الكثيرون عنه شيئًا، بل ولا يعرف أغلبهم اسمه؛ إنه الشاعر محمد يونس القاضي.. ابن أسيوط، ذلك الشاعر العبقري الذي بلغت أعماله عنان السماء ولا يعرفه الكثيرون.

مولده

ويضيف الشافعي أن الشاعر محمد يونس القاضي ولد لأبوين من أسرة عريقة بقرية النخيلة التابعة لمركز أبو تيج بمحافظة أسيوط، ولُقب بــ “شيخ المؤلفين المصريين” في عام 1888م، والده هو القاضي يونس أحمد الشهير باسم “يونس القاضي”، ووالدته هي السيدة عائشة الحريري من أعيان القاهرة الفاطمية.

نشأته

ويوضح رئيس نادي الأدب المركزي، أن القاضي نشأ وتربى في ظلال مدرسة الزعيم مصطفى كامل، والذي تعرف عليه عام 1905م حين كتب مقال في جريدة (اللواء) يهاجم فيه الإنجليز، وعن ذلك اللقاء يقول القاضي:” لقد خرجت من عنده وأنا متحمس جدًا وبدأت قي تأليف الجمعيات الوطنية بالأزهر، ولا ينسى بالطبع ما قاله له الزعيم مصطفى كامل: يا شيخ يونس أنا أخطب بالفصحى والفرنسية والإنجليزية، ولكن الناس في حاجة لمن يحدثهم بلغتهم، وأنت الوحيد الذي يستطيع ذلك”.

علاقته بالزعيم مصطفي كامل

ويكمل: لقد توثقت علاقة الشاعر يونس القاضي بالزعيم مصطفي كامل وارتبط وطنيًا وروحيًا، ونتيجة لهذا الارتباط استمد شاعرنا كلمات نشيد “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي” من خطبة للزعيم الذي كان يرعى الشاعر ثقافيًا ومعنويًا.

الأمر الذي جعل يونس القاضي يترجم كلماته في أعماله الفنية وفي نشاطاته السياسية الوطنية، حيث كان يقوم بشرح خطب الزعيم  مصطفى كامل، التي كان يلقيها بالعربية الفصحى، وكان يترجم أيضًا محتويات خُطبة بالإنجليزية والفرنسية إلى اللغة العامية لأبناء المحروسة.

مسيرته الفنية والسياسية

ويؤكد الأديب أحمد مصطفى، عضو نادي الأدب بأسيوط، أن الشاعر يونس القاضي، قضى حياته في النضال ودعم الشعب بالكتابة والهتاف، ودعم الفن باكتشاف المواهب التي أثرت على الفن العربي عمومًا والمصري بصفة خاصة، وقد تم اعتقاله 20 مرة تقريبًا بسبب كتاباته التي كان ينشدها الشعب خلال ثورة 1919م، وكل الحركات الاحتجاجية التي مرت بها البلاد.

وينوه مصطفى، أن الشيخ الأزهري، كان أول رقيب على المصنفات الفنية، حيث عمل في هذه المهمة كخدمة لأحد أصدقائه في جهاز الداخلية، وبمهمته تلك؛ كان يمنح التصاريح لإجازة الأعمال الفنية، حيث نقى الأغنية المصرية من كثير من الأعمال الرديئة، حتى أنه منع “طقاطيق” كان هو شخصيًا كتبها لمنيرة المهدية وزكريا أحمد.

علاقته بالموسيقار سيد درويش

وعن علاقته بالموسيقار سيد درويش، يحدثنا الفنان شعبان كامل، مدير الأنشطة الفنية بمركز أحمد بهاء الدين الثقافي: كان القاضي من أقرب أصدقاء درويش، ورفيق مشواره الفني من خلال كتابته لأهم وأشهر أغانيه.

وكانت بداية علاقة الشيخ يونس بـ”درويش” بداية لمرحلة جديدة في حياة كل منهما، فقد قدما أجمل الأغنيات الوطنية والعاطفية، مثل “زروني كل سنة مرة” و”أنا هويت وانتهيت” و”أهو ده اللي صار” ولهذه الأغنية حكاية وسبب في تأليفها وهو؛ اعتقل الإنجليز ذات مرة الشيخ القاضي، فلقيه نجيب باشا، وكيل الداخلية آنذاك، وأمسكه من جبته وقفطانه، وقال له: “بدل ما تقول الكلام الفارغ ده دوّر الأول إزاي تصنع جبة وقفطان في بلدك”.

فكتب الشيخ: “ما لكش حق تلوم عليّا، وخير بلادنا ما هوش في إيدنا، وبعدها لوم عليّا، إيدك في إيدي نقوم نجاهد، والأيادي تكون قوية، سعدك أصيل والخصم عايب دولا أنصار القضية”.

وحين منع الإنجليز ذكر اسم سعد زغلول ورفاقه، كتب الشيخ القاضي أغنية “يا بلح زغلول”، وتحايل على القانون، فراح يذكر كلمة “سعد” و “زغلول” فى كل أغنية ومسرحية يكتبها.

والشيخ يونس القاضى هو من أعطى عبد الوهاب الفرصة ليتألق، وغنت له منيرة المهدية حين كانت تُلقب بالسلطانة، ومكتشف سيد درويش، وزكريا أحمد، حيث كان يلف البلاد شمالها وجنوبها وشرقها وغربها بحثًا عن أصوات تصلح للغناء.

حكاية نشيد 

ويضيف كامل، أن نشيد” بلادي بلادي” كتبه القاضي لترجمة مشاعر الشعب المصري بعد نفي سعد زغلول والوفد الممثل لمطالب الشعب خلال ثورة 1919م.

مؤلفاته

ويشير الكاتب أحمد مصطفى، أن الشيخ يونس القاضى تنوعت إبداعاته، ما بين الكتابة فى الصحف، ونسج الأزجال، وكتابة الأغنية والمسرحية وغيرها من فنون الكلمة، وعمل رئيسًا لتحرير القسم الفني في جريدة (اللطائف) المصورة، حيث كان صاروخان، رسام الكاريكاتير الشهير، تلازم رسومه كلمات الشيخ، ومن بعده جاء صاروخان رسام الكاريكاتير أيضًا الشهير.

كتب “يونس” خلال الفترة بين عامي 1905م و1942م، آلاف الأزجال الصحفية، وما يزيد على 2000 دور وطقطوقة وموشح، سجل أغلبها على أسطوانات بأصوات كبار مطربي ذلك العصر، مثل منيرة المهدية وزكي مراد وعبد اللطيف البنا.

وعن أعماله المسرحية يقول الشاعر أحمد الشافعي، إنها تعدت ٥٨ مسرحية غنائية اجتماعية وفكاهية، ذات محتوى سياسي، كانت تؤدي فى الكثير من الأحيان إلى خروج الجمهور في مظاهرة ضد الإنجليز بعد العرض، ووصل الأمر إلى أن أوقف الإنجليز عرض مسرحيته “كلها يومين” تلحين الموسيقار سيد درويش وبطولة منيرة المهدية ١٧ مرة، لأنها تحمل عبارات عنيفة ضد بريطانيا.

كما ألف القاضي عدد مشهور من أشهر الأغاني العاطفية التي يحفظها المواطن المصري، بل والعربي إجمالًا حتى يومنا هذا، والتي يصل عمر كل أغنية منهن إلى ما يقارب 100عامًا مثل “زوروني كل سنة مرة”، “أنا هويت”،” خفيف الروح”، “أنا عشقت”، “ضيعت مستقبل حياتي”.

وكتب أيضاً (يا بلح زغلول) و (اهو ده اللى صار) و (شال الحمام حط الحمام من مصر للسودان) و (يا عزيز عيني) التي كتبها بسبب إجبار الشعب على الخدمة العسكرية في صفوف الإنجليز المحتلين، بالإضافة إلى (خفيف الروح بيتعاجب) و (يمامة حلوة).

وفاته

توفي شيخ الشعراء، محمد يونس القاضي عام 1969م بعد معاناة من المرض والتهميش وحياة حافلة بالكلمات التي مازال يشد بها الشارع العربي حتى الآن، وأغنيات الثورات وأناشيد الحرية التي تحكي أصوات الوطن العربي كلّها بعد مائة عام وأكثر من كتابتها، وستظل كلماته خالدة نرددها جيلًا بعد جيل، ومطربًا بعد مطرب، فيظل الرجل هو الحاضر كلمة وأغنية، والغائب اسمًا وحقًا.

رحم الله الشيخ محمد يونس القاضي، الشيخ المعمم، الذي خرج من الأزهر، وقدم كل هذا العمل الفني، لم يتهمه أحد من مشايخ وكبار رجالات الأزهر والدين آنذاك بالكفر في أعلى درجات الاتهام أو بالفساد فى أدناه، فقد كان الأزهر حينها منارة للدين والدنيا وللعلم، ولكل فن راق يدفع البلاد والعباد للأفضل.

 

الوسوم