العسلية والبسبوسة وغزل البنات.. مصدر رزق “طلعت” وأسرته‎ في الغنايم

العسلية والبسبوسة وغزل البنات.. مصدر رزق “طلعت” وأسرته‎ في الغنايم طلعت محمود، صانع الحلوي بالغنايم، تصوير: أسماء الفولي

في بيت تفوح منه رائحة الأصالة والقدم، بمجرد تخطي عتبته والذي يحوي بداخله أب وابنان وأولادهم والذين يعملون جميعا في صناعة “العسلية والبسبوسة وغزل البنات والحمصية وغيرهم..” يدويا، حيث تعد مصدر رزقهم الوحيد جميعًا، بعدما ورثوها أبا عن جد.

الابن الأكبر في العائلة طلعت محمود، 48 عامًا، الذي يقيم في مدينة الغنايم جنوبي محافظة أسيوط، كرس حياته للصنعة التي ورثها عن أجداده، وهي صناعة الحمصية والشعر وغزل البنات والبسبوسة والعسلية والسمسمية، ومن ثم بيعها في الأسواق.

طلعت محمود أثناء تصنيع الحلوي العسلية، تصوير: أسماء الفولي
طلعت محمود أثناء تصنيع الحلوي العسلية، تصوير: أسماء الفولي

“ممعناش مهنة غيرها وهورثها لابني من بعدي لأن لا ممعناش حد في أسرتي بيقبض ولا موظف طلعنا لاقينا مهنة أبونا كده”.. بهذه الكلمات بدأ طلعت حديثه عقب الترحيب والجلوس على أريكة بجوارها عدة كراتين معبأة بالحلوى، استعدادًا لبيعها في الصباح الباكر بسوق المدينة، وكذا أسواق القرى المجاورة، حتى أصبح له زبائن ليس فقط من مركز الغنايم، بل يقطنون في محافظات أخرى، وتعودوا على أكل هذه الحلوى وأصبحوا يطلبونها من فترة لأخرى.

“نسترزقوا منها، وناكلوا منها عيش ومقويانا على المعيشة والحمد لله إنها ساترة  16 فرد عن مدة الإيد وغيره”.. هكذا تحدث الابن طلعت عن مدى رضاه على مهنته، مشيرا إلى أنه تعلمها في ظروف صعبة، من خلال تسخين الخليط باستخدام الخشب كوقود لتجهيز العسلية، بجانب تحضير البسبوسة من خلال الأفران الآلي، مما يضطرهم لتحضير المكونات، ومن ثم العجن داخل إحدى الأفران، لكن مع التطور قام بشراء أفران للتخفيف من عبء التنقل والتسوية باستخدام الخشب بدلًا من الغاز.

طلعت محمود أثناء تصنيع الحلوي العسلية، تصوير: أسماء الفولي
طلعت محمود أثناء تصنيع الحلوي العسلية، تصوير: أسماء الفولي

يقول ابن مركز الغنايم: “من سن 10 أعوام وأنا شغال فيها، وهي مصدر رزقنا الوحيد غنيانا عن أي شيء وحش في الدنيا كالسرقة وغيرها”.

يشير طلعت إلى أن شدة حرصه على توريثها لنجله لم يسعى لتعليميه القراءة والكتابة، خشية من عدم التوفيق بين الدراسة وتعلم صناعة ومن ثم بيع الحلوى؛ لذا فضل تعليم طفله مهنة أجداده حتى كاد يتقنها في سن الـ16 عامًا.

يكمل: “صنعت الحلوى منذ نعومة أظافري كما وجدت والدي، حيث أستيفظ في الصباح وبمساعدة أسرتي أحضر معدات العمل من سكر وزيت ومياه وملء أنبوبة الغاز، فيما تقوم الفتيات بكنس المنزل ومن هنا يتم توزيع المهام، حيث منا من يقوم بملء المياه في خزانات أسفل أرضية المنزل، لاستخدامهما في تبريد الحلوى”.

ويواصل طلعت حديثه موضحا بعض أسرار المهنة، قائلا إن مكونات الحلوى من سكر ومياه وملح ليمون، ويتم خلطهم سويا ثم وضعهم في إناء كبير وإشعال النار تحتهما مع التقليب باستخدام عصا من الجريد “يتم تغييرها كل بضعة أيام”، ومع التقليب المستمر يتم إضافة كيلو عسل أسود لكل 10 كيلو سكر، موضحا أن العسل يعطي اللون العسلي للحلوى ولذلك يرجع اسم الحلوى بـ”العسلية”.

زوجة طلعت محمود أثناء صناعة حلوي العسلية، تصوير: أسماء الفولي
زوجة طلعت محمود أثناء صناعة حلوي العسلية، تصوير: أسماء الفولي

ويحمل طلعت الإناء بواسطة قطعتين من القماش، في الوقت الذي تجهز ابنته “طشتان” ووضعهما في حوضين المياه ووضع ما في الإناء داخلهما، وتركهم لمدة 5 دقائق حتى يتمكن من مسك الخليط، وبعد دقائق معدودة، يقترب الابن الأكبر ذو الـ16 عاما من الطشت، محاولا مسك الخليط بشدة بعد تجميعه في قطعة واحدة رغم سخونيته.

في هذه اللحظات كان زوجته وابنته قد استعدين بوضع آلة حديدية تشبه قليلًا الميزان بجانب عمود في المنزل، هنا لاحظت تناول كل منهن لخليط ووضعه بتحكم واضح في الآية، ويستمران في السحب والإعادة عدة مرات، حتى يبدأ لون الخليط القاتم القريب من السواد في التحول للون العسلي، وذلك بعد تكرار السحب والرجوع.

وبعد أكثر من 10 دقائق، يتم جمع الخليط على شكل وردة دائرية، ووضعها في صينية كبيرة بها دقيق، وتغطية الخليط الذي أصبح قرصا جميلا بالدقيق من جميع الاتجاهات لحفظه وحمايته من الأتربة والملوثات.

بينما يقوم ظريف، شاب في مطلع الثلاثينيات بتجهيز خليط البسبوسة، وفي هذه الأثناء تكون زوجته وابنة أخيه بغسل وتجهيز الصواني ووضعها داخل الفرن حد الاستواء.

يبيع طلعت هذه الحلوى بعد تجهيزها في الأسواق والموالد بأسعار مرضية للزبون رغم ارتفاع الأسعار، ورغم المشقة التي تجدها كافة أفراد الأسرة، إلا أن التعاون والعمل بروح تسعى للكسب الحلال، رغم ضيق العيش، تنسى كل التعب بمجرد تحصيل ثمن المبيعات وشراء مستلزمات الأسرة.

البسبوسة، تصوير: أسماء الفولي
البسبوسة، تصوير: أسماء الفولي
الوسوم