“الفيل”.. الولي الذي دعا الله بأخذ بصره حتى لا يختلط بعالم غير “النوراني”

“الفيل”.. الولي الذي دعا الله بأخذ بصره حتى لا يختلط بعالم غير “النوراني” مقام الشيخ أحمد الفيل بمركز الفنح في أسيوط
كتب- فاتن الخطيب وأسماء الفولي
تصوير: ندا علي

قبة خضراء تعلو ضريح الشيخ أحمد الفيل على مدخل قرية بني زيد الأكراد بمركز الفتح في أسيوط، وأمامها يتزاحم بائعو حلوى المولد ويتراصون جنبا إلى جنب، أمامهم أكوام الفول السوداني والحلوى المزركشة مختلفة الألوان ويخترق صفوفهم بائعو الحُلِي، حيث الأساور والسلاسل المُدلاة ذهبية وفضية اللون.

وعلى جانبي الطريق تتطاير المراجيح فرحا ببهجة الاحتفال، بينما يسير المارة من أهل القرية وسط كل هذا يبتاعون ما يحلو لهم، إنه الشيخ أحمد الفيل، الولي الذي اختلف عن كل أولياء الله في أن مقامه شُيد له وهو على قيد الحياة كما بشر به.

 

البيت

بيت قديم تحوطه أنفاس الأولياء كان مجلس أقرباء الشيح وأحبائه ليبدأو رحلة راوية حكايته منذ الميلاد وحتى الوفاة ومن داخله بدأت جلسة الحديث عن الشيخ.

أقارب الشيخ الفيل
أقارب الشيخ الفيل
الطفولة

شيخ في السبعين من عمره تتلون عيناه باللون الأخضر، إنه فؤاد محمد، فلاح، ابن أخ الشيخ الفيل بدأ حديثه قائلا: كان عمي طفلا مختلفا منذ مولده، وكان يداوم على صحبة والده في صلاة الفجر في الوقت الذي كانت الشوارع فيه تخلو من المصابيح وحتى آذان الفجر كانوا يصلونه على قياس النجم فلا مكبرات صوت توقظ الناس ولا إنارة تصحب الناس في الطريق إلى المساجد، ورغم ذلك لم يخش الطفل المُحب لقاء الله ظلمة الليل ولم يفارق يد والده في طريقه إلى صلاة الفجر مذ كان عمره ثلاث سنوات ولم تثنيه غفوة النوم للأطفال في ذلك الوقت عن الذهاب للمسجد.

الكِبر

يتابع الشيخ: ورويدا رويدا كبُر الطفل وكبُر حب الله في قلبه وبدأ في الاختلاء بعيدا عن البشر واختار مقرا له مكانا صغيرا على الجسر على مدخل القرية يصلى ويبتهل ويتضرع ويختلى بعيدا عن الناس، وحينما وصل سن الأربعين طلب من الله عز وجل أن يأخذ بصره وكان نظره “ستة على ستة”، لأنه اكتفى برؤية العالم النوراني، فلقد كان يرى الملائكة وأبى أن يختلط بصره بعالم آخر يزاحم عالمه النوراني، وبالفعل كف الله بصره فحمله أخوه إلى الطبيب أملا في عودة بصره.

وأمر الطبيب بإجراء عملية جراحية فخضع الشيخ لهم ليجعلهم يتلقون درسا أن لن يقوى أحد على فعل شيئ لا يريده الله وأراد أن يثبت ذلك عمليا وبالفعل لم يقو الطبيب على فتح عينه وبعدما أفاق من التخدير قال للطبيب أتريد أن تفتح عيني؟، ها أنا افتحها لك، وحينما نظر الطبيب في عينه وجد بحرا عميقا فاستوقفه عظم المشهد وعلم أن الشيخ ليس بحاجة لأي عمليات.

الحضرة

يتابع العم فؤاد: كان عمي عاشقا لحضور الحضرة وزيارة سيدنا الحسين والسيدة زينب رضى الله عنهم وأرضاهم، ومن أطلق عليه لقب الفيل هو أحد الشيوخ الصالحين.

التعليم

جمع لأفراد من عائلة الشيخ الفيل بداخل منزله وينطلق من بينهم صوت محمد أحد أحفاده صاحب عاما بجلبابه الأبيض وطاقية رأسه البيضاء قائلا: الشيخ الفيل هو خال والدتي واسمه أحمد رشوان حسين علي، لم يدرس ولم يتلق العلم في المدارس فهو أُمي، ولكنه تلقى العلم على يد شيوخه الشيخ حسن حسين شحاتة من أبناء محافظة القاهرة، وكان يأتى إلى القرية ومن أتباع الطريقة الشاذلية التي يتبعها تلميذه الشيخ الفيل.

المعلمون

يتابع الحفيد: حينما جاء الشيخ حسن إلى القرية التقى الشيخ الفيل وقال “لا تقولوا له الشيخ الفيل ولكن قولوا الشيخ “الجميل”، ومن بعد الشيخ حسن أكمل الشيخ الفيل تلقى العلم على يد الشيخ محمد أحمد حسن عمر الشهير بالشيخ محمد البدري ابن القرية، وكان الشيخ الفيل يعتنق المذهب المالكي وتلقى الفقه المالكي على يد شيوخه الذين كانوا يأتون إليه لتلقينه العلم.

الخلوة

يستأنف محمد حديثه: لم يكن الشيخ يترك خلوته وما من مرة تدخل عليه إلا تجده ساجدا أو قارئا أو ذاكرا أو مصليا على سيدنا رسول الله صل اللهم عليه وسلم وكان محافظا على الصلاة بالمسجد.

وكان محبا للخير ما بيده ليس له فهو لغيره، وكان مستجاب الدعوة وعرف عنه ذلك أهل القرية، ولقد بشر بالشيخ عثمان سليمان عبد المجيد من قرية العصارة وهو في بطن أمه، فلقد كان والده الشيخ عثمان وكان مدير إدارة القرائية بالمنطقة الأزهرية مارا بالقرية وكان يتعجب من حب الناس للشيخ الفيل وتقبيلهم ليده ويستغرب أفعالهم، وذات مرة استوقفه الشيخ ولم يكن يعرف مسبقا وهذا أول لقاء وكان ضريرا لا يرى فاستغرب الرجل فقال له الشيخ “يا سليمان زوجتك حامل وستلد ولدا “سميه عثمان”، فانبهر الشيخ سليمان، وبالفعل أنجب ولدا وأسماه عثمان وهو حاليا في السعودية ومن أشهر علماء القرائية.

صورة الشيخ أحمد الفيل
صورة الشيخ أحمد الفيل
مواقف

يتابع: أذكر له أنه حينما طلب منه شيخه كتابا حمله له الشيخ الفيل من قرية الأكراد إلى قرية البورة بمركز أسيوط تلبية لطلب شيخه، والشيخ لم يتزوج وليس له أبناء.

حكايات

في نفس الجلسة التي يسترجع فيها أبناء عائلة الشيخ طيب ذكراه انطلق صوت علي راغب، بالمعاش، ابن أخو الشيخ راويا: كان مقام خلوة الشيخ على الطريق وكان يمر عليه جميع التجار القادمين للقرية فيمرون عليه قبل الذهاب للسوق طالبين منه الدعاء لهم عند كل صباح، وكان بجوار الخلوة عمود إنارة ما إن تجمع تحته جمع واغتابوا الناس وصار حديثهم حديث سوء إلا وانطفأ المصباح ليقوم الجمع من مكانهم وينقطع حديثهم.

يتابع: ذات يوم جاء إليه التجار وقالوا له يا شيخ عندما تتوفى سيحملك أهلك إلى مدافن العائلة بمدينة أسيوط وستترك القرية فعلى من سنمر في كل صباح نطلب منه الدعاء؟، فرد قائلا “أنا هدفن هنا في مكاني”، ومروا علىّ في كل صباح كما أنتم وقولوا السلام عليكم ولو كنتم من أهل السمع ستسمعوننى.

المقام

يُكمل علي: مقام الشيخ الفيل بُنى له وهو على قيد الحياة فحينما اشتد عليه مرضه ترك خلوته لأول مرة فى حياته وانتقل لبيت العائلة فجاء أحد الصالحين وبنى له المقام بعدها.

كرامات

صورة كبيرة على مدخل غرفة الضيوف تضم شابا جالسا على كرسي وبجواره الشيخ الفيل واقفا على عصاه، إنها الصورة التي صممها حمزة بيومي، ابن شقيق الشيخ، وحول كرامات الشيخ يروى: ذات يوم حدثت سيول شديدة وكان عمي مريضا فى أيامه الأخيرة ولم يُثنيه مرضه عن الصلاة فأصر على الخروج للصلاة كعادته فخرجنا سويا وجميعنا غاصت أقدامنا في الطين وتلوثت ملابسنا وابتلت كل الثياب إلا هو فالحذاء كان يابسا ولم تطله نقطة مياه ولا ذرة طين، ولقد عملنا أنه كان يمشى على الماء ففعلها ذات مرة.

المولد

في كل عام يتجمع جمع غفير من أهل القرية والمحبين من القرى الأخرى وذلك في الليلة السنوية للاحتفال بذكرى مولد الشيخ والتي أخبر أهله أنها ليس لها موعد ثابت.

الوسوم