من المسلم به أن التطرف هو مشكلة العصر ومأساة الشعوب والأمم وشاغل القلوب والأذهان وباعث الهموم والأحزان.

استشرى خطره وعظمت مآسيه واتسعت دائرته بعد أن اقترن بالإرهاب والعنف فأصبح يهدد العالم ويجره إلى أوضاع مأساوية إذ عدا علي عصمة الآخرين واستباح دماءهم وأموالهم.

ومن المسلم به أيضًا أن التطرف لا دين له، فهو لا يقتصر على اتباع دين أو منهج معين لكن من المؤسف بحق أن يكون التطرف في مصر التي هي مهد الحضارة وبلد الأزهر الشريف تطرفًا ذا صبغة دينية لما ينطوي عليه ذلك من ردة وانحراف عن ثوابت الدين الحنيف ومبادئه التي تدعو إلى الوسطية والاعتدال وتنبذ الغلو والتطرف وتدعو إلى السلم والمحبة، والله يدعو إلى دار السلام.

يقول سبحانه وتعالي: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) ويقول كذلك: (لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق).

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو).

والتطرف هو الخروج عن حد الوسط في الفكر والاعتقاد ومجاوزة حد الاعتدال في كل، وهو أوسع الأبواب التي تؤدي إلى الإرهاب والعنف لأن أهم مظهر من مظاهره هو التعصب وجمود الفكر وعدم قدرة صاحبه على تقبل معتقدات تخالف معتقداته أو تجاهلها مع اعتقاده بأن ما هو عليه صحيح لا يقبل النقاش.

وكما يكون التطرف بمجاوزة حد الاعتدال بالغلو يكون أيضا بالتخلي عن ثوابت الدين ومبادئه فمع الوسطية لا إفراط ولا تفريط.

ويعد الشذوذ والإلحاد من أهم صور هذا التطرف وسوف نفرد لذلك مبحث مستقل بعد إن شاء الله.

وفي مجال المعالجة القانونية لظاهرة التطرف والإرهاب بات من الضروري أن نسلم بأمور منها:

  • التطرف ظاهرة مرضية لا تخرج عن حيز الفكر والاعتقاد، فإن تجاوز ذلك الحد بممارسة التهديد والعنف أصبح هو الإرهاب، فكل إرهاب تطرف، وليس كل تطرف إرهابًا.
  • التطرف لا يحارب بالعنف وإنما يعالج بالحجة والحوار، وهنا يبرز دور المؤسسات الدعوية والتربوية خاصة تلك التي ترعى النشء وتقوم عليه، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار بقوله تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا).

وذلك لنعمل على تطهير النشء والحفاظ عليه، ولا يفوتنا هنا أن نركز على دور المواطن العادي في التوجيه والتربية والرعاية من منطلق قوله صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

  • إذا نزع الفكر المتطرف إلى ممارسة العنف فإنه يجب على الدولة أن تتصدى له وأن تقف في مواجهته حتى لا يستشري ويكون المسؤول عنه عبرة لغيره.

وعلى الدولة حينئذ أن تتصدى له من خلال محورين هما الأمن والقضاء لأن وظيفة الدولة الأساسية في كافة القوانين والأعراف هي:

الأمن، والدفاع، والقضاء.

  • التشريع الجنائي المصري هو الشريعة العامة لكافة المفاهيم العقابية التي تُعني بالجريمة والعقوبة وقد حدد هذا القانون معنى الإرهاب وبين صور الجريمة الإرهابية وعقوبتها والظروف المشددة للعقوبة وعقوبة الفاعل والشريك فيها، ومع ذلك فإن خطورة الإرهاب وما كان من جرائمه في الوقت الحالي توجب على الدولة أن تكون في يقظة تامة وأن تعمل دائمًا على تطوير تشريعاتها بما يتناسب مع المستجدات والظروف، أما التطرف فإن معالجته يجب أن تركز على المبادئ الأساسية الآتية:

أ‌- إعلاء قيم الحب والتسامح.

ب‌- إقرار مبدأ حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية.

جـ – ضرورة احترام دور العبادة والإيمان بقدسيتها وتنزيهها عن العبث والفساد.

د- إقرار مبادئ العدالة والمساواة والعمل على ترسيخها في عقول النشء

هـ- احترام حقوق الجوار والمواطنة، واحترام مشاعر واحاسيس الغير والتعاون معه على الخير في العسر واليسر.

و-  ضرورة طاعة الحاكم وتقدير دوره في الحفاظ على أمن الوطن وسلامة أراضيه من منطلق قوله تعالى: (وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم).

ومن المهم هنا أن نركز على آيتين كريمتين من كتاب الله تعالى، الأولى قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره).

والثانية قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين).

فتأمر الآية الأولى المسلمين أن يدافعوا عن دور العبادة أيا كان أصحابها دون تفرقة حتى أنها قدمت تلك الخاصة بغير المسلمين على المساجد.

وفوق ذلك زيلت الآية بقوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) وهو ما يعني أن من يدافع عن دور العبادة أيا كان أصحابها إنما ينصر الله عز وجل ويدافع عن بيوته وأن الله يعده بالنصر والتأييد.

أما الآية الثانية فتفيد أن الله عز وجل لا ينهي عباده المؤمنين أن يبروا غيرهم ممن يخالفونهم في الدين والعقيدة ولا أن يقسطوا إليهم طالما أن هؤلاء لا يقاتلونهم ولا يخرجونهم من ديارهم.

وتقول الآية التالية: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم وأخرجوكم من دياركم أن تولوهم) وذلك يدل على عظمة الإسلام ويفصح عن منهجه في التسامح مع الآخرين والإقرار بحقوقهم وحرياتهم.

نسأل الله تعالى أن يفقهنا في الدين وأن يلهمنا الرشد والصواب.