“المهندسة ريهام” تترك خدمة العملاء لتعمل في ورشة صيانة سيارات| فيديوجراف

“المهندسة ريهام” تترك خدمة العملاء لتعمل في ورشة صيانة سيارات| فيديوجراف ريهام البارودي، مدير ضمان بناشيونال موتورز
تصوير: أحمد دريم

من قلب مدينة أسيوط خرجت مهندسة متحدية قواعد متعارف عليها من قِبل المجتمع حول طبيعة عمل المرأة، لتثبت ذاتها مع الأيام ويسطع نجمها.

ريهام أشرف البارودي، البالغة من العمر 32 عاما، تخرجت في كلية الهندسة، قسم تعدين وفلزات، الذي لا يقدم فرص عمل مناسبة للفتيات، ولهذا كانت بين خيارين، إما المكوث بالمنزل كالكثيرات من زميلاتها أو البحث عن فرصة عمل.

المهندسة ريهام البارودي
المهندسة ريهام البارودي

في العام 2010 بدأت العمل مهندس مبيعات “مهندس سيلز” في مكتب استشارات هندسية، واستمرت حتى عام 2013، هناك اكتسبت مهارة التعامل مع الآخرين والثقة بالنفس، والقدرة على إدارة الحوار.

لكن بعد فترة، بدأت البحث عن عمل آخر براتب أعلى، ولم تشترط عمل محدد فمبدأها “مبقولش للشغل لأ حتى لو كان بعيد عن دراستي، المهم إنه كويس”.

الورشة

سمعت ريهام عن طلب شركة ناشيونال موتورز، مركز صيانة نيسان لموظفي خدمة عملاء، فتقدمت للوظيفة وتم قبولها، وكان عملها سماع الشكوى ونقلها للمختصين لحلها، لكنها اصطدمت بعدم قدرتها على فهم واستيعاب المشكلة، فليس لديها خبرة كافية عن صيانة السيارات ودراستها بعيدة عن المجال.

ولأنها محبة للفهم، جاء قرارها الصعب، وهو تقديم طلب للإدارة للنزول للورشة كي تتعامل مباشرة مع السيارات، وتفهم بشكل عملي وتستوعب شكاوى العملاء.

خلال صيانة إحدى السيارات

رُفض الأمر من قِبل الأهل ومن قبل إدارتها في العمل خوفا عليها “لأنها فتاة”، وقد يتسبب ذلك في تعرضها لمضايقات، لأنها ستكون الفتاة الوحيدة وسط العمال.

وعلى الرغم من الرفض الشديد، إلا أن إصرار ريهام كان أكبر، حتى إنها كانت تنزل إلى الورشة خِلسة، وفجأة تبدل الحال ومنحها مديرها استثناء، ووافق على نزولها، لكن بشرط وجود مهندس مشرف، لتكون أول مهندسة بأسيوط تنزل الورشة “كنت شايفة إني في مجال جديد عليا، عايزة اتعلمه واتحدي نفسي إني هفوز ومكانش هاممني الآخرين أد ما كان هاممني نجاحي”.

ودخلت ريهام الورشة، وكانت تسابق الوقت للتعلم والفهم ليكتشف المدير تميزها في العمل، فيتقدم بطلب للإدارة العليا في القاهرة لكي تعمل مهندس استقبال، بعد ثلاث أشهر من نزولها الورشة.

دائما تسعى لتكون الأفضل
الأفضل

مرحلة جديدة بدأتها ريهام تحدثت عنها: “المدير كان عايزني أمسك قطع غيار، بس أنا مكنتش حابة كده، مكنتش فاهمة وقتها إن ده الأحسن ليا”، فكنت مُصرة على العمل مهندس استقبال، ظنا مني إنها أفضل، ومكثت بها تسعة أشهر إلى أن صدر قرار نقلي إلى مهندس قطع غيار.

“بعد ما اشتغلت مهندس قطع غيار، اكتشفت إنه أحلى حاجة حصلت في حياتي”، فأصبح تعاملي مباشرة مع المصنع الأم ومع المهندسين به الذين هم ذوي قدر ومكانة كبيرة ليس بمصر فقط، بل على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، “وبكده انتقلت أحلامي وطموحاتي لحاجة تانية، بعدها مش بس بقيت بحل مشاكل العميل ده أنا بقيت بحل مشاكل المركز نفسه”.

تتابع: بدأت أثبت نفسي وأجتهد أكثر، وصار اسمي معروفا، وصرت أمثل “ناشيونال موتورز” شمال الصعيد، وأذهب لاجتماعات ومقابلات في مصنع “نيسان” نفسه بالقاهرة، وأتلقى تدريبات على يد مدربين يابانيين، وأقدم تقارير ترسل لنيسان مصر ومنها لنيسان أوروبا.

أثناء صيانة إحدى السيارات
صدمة

تمر الأيام ومع كل يوم يعلو نجم ريهام أكثر، ثم جاء قرار الزواج من زميل لها في العمل، وقررت ترك عملها تماما بعد كل تلك النجاحات بمحض إرادتها، وأنجبت طفلها الأول، لكن فجأة كانت الفاجعة فإذ بها تتعرض لحادث سير في العام 2015، ليرحل زوجها ورضيعها ابن 45 يوما وتنجو هي.

أصيبت ريهام بصدمة عصبية عنيفة، كادت أن تُجن، بعد فترة قررت العودة للعمل، وكانت تظن أن الأمر سيكون سهلا، لكنه كان غاية في الصعوبة، لأنها صارت أرملة وستتغير نظرة المجتمع لها.

رفض الأهل عودتها للعمل، لكنها أقنعتهم أن العودة للعمل طوق النجاة لها، وعادت ريهام  وبداخها تحدٍ “لازم أنجح وأبقى حاجة كبيرة، وكان لازم أرجع عشان أعرف أكمل حياتي وأعيش، لأن النظرة للشخص الناجح هتكون مختلفة”.

عادت ريهام لعملها ولكن رائحة زوجها  تُعبأ المكان وصوته يصدح حولها في الأرجاء، فلم تستطع الاستمرار وتركت العمل مرة أخرى، وقررت السفر لوالدها في السعودية، لتغسل أوجاعها في الأرض المقدسة.

حاولت الهرب من صدمة حياتها للعمل
تجديد

بعد عودتها من السعودية قررت العمل في مجال آخر، فعملت في مجال المقاولات، وأعمال الديكور والتنسيقات، واستطاعت النجاح، ولم يكن لديها أي خبرة سابقة.

وبعد ستة أشهر صارت مشرف تنفيذي على تشطيب أماكن كبيرة، ثم عملت بالعلاقات العامة بكوفي شوب كبير، وبعدها انتقلت للعمل بمجال الأزياء، ونظمت أول ديفيله في أسيوط.

أثر التعامل مع صيانة السيارات
عودة

بعد رحلة ابتعاد عن عالم السيارات أخذها الحنين إليه مرة أخرى، لتعود مرة أخرى على وظيفة مهندس ضمان، وتظل على تفوقها وتحديها لتصبح اليوم مدير ضمان ناشيونال موتورز مركز صيانة نيسان على مستوى الصعيد، ويعود اسمها يسطع من جديد.

خلال ستة أشهر استطاعت رفع مستوى الضمان في المركز، وتحقيق درجة أعلى في تقييم المصنع للمركز، بل وتتقدم مرتبة ناشيونال في التقييم ضمن من هم في المقدمة.

وحول أهم تحدٍ لها، تقول: “الشيء الوحيد الذي أخذته تحدي وصممت على تعلمه هو فك وتغيير المواتير والفتيس، لأن بذلك سأكون تعلمت أصعب جزء في مجال صيانة السيارات”.

تفعل ما تراه صحيحا ولا تبحث عن الاختلاف

وعن أغرب المواقف التي صادفتها: “ذات مرة كنت مع صديقاتي في سيارة إحداهن وفجأة تعطلت فما كان مني إلا أن نزلت أسفل السيارة لمعرفة السبب وتم حل المشكلة وأكملنا طريقنا بشكل طبيعي”.

نشاط ريهام دفعها لدخول العديد من مجالات العمل وحول ذلك تروي: “قبل كورونا كنت أعمل اكثر من عمل، أحدها بالمركز، والآخر مديرة ضمان بتوكيل ملابس نسائية، وأيضا موديل للإعلان عن منتجات نسائية”.

نشاطها دفعها للدخول في عدة مجالات
نصيحة

نصيحة قدمتها ريهام لبنات مجتمعها قائلة: “مش معنى إنك بتشتغلي إنك متهتميش بنفسك” فلا بد لأي سيدة وفتاة أن تضع اهتمامها بنفسها في المقدمة.

تتابع: أرفض العنف ضد المرأة بأي شكل من الأشكال وأغلب السيدات نزولهن لسوق العمل لسد احتياجاتهن، ولكنهن ملتزمات بأخلاقهن “وكلمة لا متنزليش عشان انتي بنت” هذا في حد ذاته عنف ضدها.

طموح لا ينتهي

وعن طموحها تقول: ريهام طموحة جدا وأصبو إلى أن يكون لي اسم معروف ومكانة في المجتمع، ولا أسير في تحقيق حلمي خلف قاعدة “خالف تعرف”، بل أنه لا مانع من عمل شيء صحيح، حتى لو كان المجتمع غير معتاد عليه.

 

الوسوم