تكتلات ثقافية تجتاح عالمنا، لا ندرك فيها المعنى الحقيقي لاحتواء الثقافة في مصر لمواهب تبحث عن من يكتشفها وعن مبادرات تطرح لدمج المجتمع في واقع يكاد أن يقع في هوية اللا مبالاة ثقافيًا، ولا أقول ذلك من فراغ ولكن كانت لي تجربتي الخاصة في هذا الوسط الذي فقط يحتاج إلى زيف منك لتكون أسطورة ومخضرم “وليك وضعك”.

دخولي إلى عالم الثقافة منذ سنوات، أكد لي أن الثقافة وكونك كاتب أو شاعر تستحق الظهور على الساحة الثقافية والنشر من عدمه وسط عالم “الشللية”، هو الدخول وسطهم بالتصفيق حين يبدأ ذلك في إلقاء قصيدته، أو المدح في وزير أو فلان أو علان لأن لديه القدرة على “وقف عالمك في الظهور وأخذ حقك في أماكن من المفترض أن الدولة وفرتها لك للتثقيف والاستمتاع بالمسرح والشعر والأدب وإطلاق عنان موهبتك، ولكن الحقيقة غير كل هذا فنظام الثقافة هو “اخدمني النهاردة عشان بكره اخدمك”، أو “قد أعذر من أنذر”.

الثقافة في مصر قد استطيع القول بأنها وقعت في عالم الافتراضية مثلها مثل كل المجتمع، ولكن بشكل يجتاح تلك المسارح التي تكتفي بشاعر وملحن وكاتب ومخرج ومدير أو وزير يأخذ مكان لا يستحقه، منذ سنه تقريبًا بدأت فكرة تلح علي في تنفيذها وهي فكرة مبادرة “تعالوا نعرف تاريخنا”، الفكرة كلها بسيطة في التنفيذ فمع تجربتي في مركز أحمد بهاء الدين الثقافي بأسيوط وإعطائي محاضرات بسيطة عن فكر الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين واهتمامه بالقومية العربية والقضية الفلسطينية وحتي آخر نفس في عمره، جعلني ألمس حقائق قد تكون غائبة عن الجميع، ليس في مصر فقط، ولكن في العالم العربي الذي فقد هويته بالفعل ليس كله ولكن الأغلبية منه.

وجدت مع تلك التجربة التي استمرت لـ3 سنوات ومع انضمام طلاب من كل مدارس أسيوط تقريبًا لزيارة المكان كنت عندما أبدأ بالحديث عن القومية العربية والحلم العربي أجد بالفعل الطلاب لا يعلمون أي شئ يذكر عن فلسطين أو القدس وهذا ما ذكرته في مقال أخر عن سوريا، فالطالب حين نسأله عن عاصمة فلسطين الإجابة تكون القاهرة أو عمان أو الإسكندرية، إجابات من طلاب وصلوا إلي المرحلة الثانوية كان يعصر قلبي علي جيل بأكمله يجهل تاريخه، يجهل قضية طالما تغنينا من أجلها طالما خرجت من اجلها الملايين لتندد بالاحتلال، ولكن ما أحزنني عندما أدركت أن الاحتلال استطاع أن يدخل في كل منزل في العالم العربي فقد محي من عقول الأجيال القادمة اسم فلسطين فحقًا البعض منهم يعتقد أن فلسطين هي من احتلت الأرض وليس الكيان الصهيوني وإن كنت أرفض  أن أقول إسرائيل كعادتي لأن ليس هناك دولة تدعي إسرائيل فقط العقول الهاوية هي من صنعتها في خيالها.

من هنا جاءت فكرة المبادرة بدأت بالفعل في تجميع المادة التاريخية من أساتذة متخصصين، وقمت بجمع فيديوهات بسيطة تعرف عالمنا العربي للأطفال من خلال صور عن جمال حضارتنا وتاريخنا ليس من أجل دعم حزب أو أي كيان سياسي وبدأت العمل بالمبادرة مع بعض الجمعيات الأهلية التي وفرت لي مكان أو في ساحات عامة، وكان هناك إقبال ونجاح للفكرة، ولكن الجيل المستهدف جميعهم في المدارس فبدأت أطرق باب الثقافة كان في البداية ترحيب بالفكرة بل وتطويرها ولم أتردد كنت في قمة سعادتي للتطوير بدأت في تطويرها لتشمل كل دول الحدود العربية، وجاء وقت التنفيذ مع الثقافة وتم توزيع الجدول علي كل محافظة أسيوط وكانت حسب ما تم الاتفاق عليه بداية لتضم الفكرة 4 محافظات في مصر، ولكن جاء ما لم اتوقعه خاصة بعد الموافقة والترحاب الذي لاقت به فكرة المبادرة، فعشرات الموظفين انهالوا عليا بالأسئلة  “أنتي تبع مرسي ولا السيسي، بتأيدي حزب الله، طيب تبع حماس أو الفتح أنتي تبع مين بالضبط”، هنا كانت إجابتي قاطعة تبع الفكرة ونجاحها ليجيبني موظف “معندناش ميزانية للمبادرة”.

في تلك اللحظة أدركت حقًا المعني الحقيقي لكلمة “شللية” التي طالما سمعتها في بداية إلقائي للشعر في الثقافة وتوقفي نهائيًا بسبب ما يحدث، وعدت إليه لأقول “ومين قالك محتاجة ميزانية أنا محتاجة اشتغل وادخل بشكل رسمي أنا متكفلة بكل حاجه”، ليجيبني: عموما إحنا هنرجعها الإقليم وممكن هما يخصصولك حاجه”، وهنا بدأ الحلم في التراجع ولكن عاد منذ شهرين ليبدأ من جديد.

فقط كنت أستطيع اللجوء إلى بعض أساتذتي الذي ينتمون إلى الثقافة وهم علي قدر وعلم بما بحدث وقادرين علي مساعدتي و لهم فكرهم الخاص ويعلمون ما يحدث، ولكن رفضت وصممت أن أنفذ فكرتي دون “وساطة أو محاباة”، فحقًا الثقافة في مصر ثقافة الشللية والمعارف فقط، فليس هناك احترام لنماذج تبحث عن فكر وتقديم شئ يفيد المجتمع فقط الميزانيات قد تتوفر لمهرجان شعبي كبير وليس تقليلًا من شأن المهرجانات أو بالتراث الشعبي ولكن الثقافة تستطيع أن تتبني موهبه راقصة علي أعتاب تقديم كادر من دولة أخري علي أن تتبني فكر ووعي يحتاجه من بداخل الثقافة قبل من خارجها، فدخولك إلى فجوة الثقافة وعالمها الذي تراه الآن فقط تخسر فيه نفسك مع عالم كان طموحك يجذبك لتعلو بهم فاتهموك بالخيانة والانتماء لأي كيان، فقد أصبح حب الوطن يحتاج إلي وسطي والعمل في نهوضه يحتاج إلى ميزانية، وحين تموت من أجله، يبادر الجميع بمعرفتك بعد أن اتهموك بأنك خائن وعميل، هنا استطيع القول أن نعيش في ثقافة الشيكا بيكا، وأنا علي يقين من أن ما كتبته سيغضب بسببه بعض من يعملون بالثقافة، وقد أخسر بعضهم، ولكن أقول لهم كنت أرحم منكم عليكم ولم أذكر ما حدث بعد ذلك، وحديثي هنا توصيل الحقيقة لمن يعلموها ويخشون الحديث أمامكم ولمن لا يعلم ما يحدث في مطبخ ما ندعوه بالثقافة.