“جزار يذبح وردة”.. لعادل حافظ

“جزار يذبح وردة”.. لعادل حافظ الأديب عادل حافظ
كتب -

كان له يومًا بستان صغير، لم يكن به سوى وردة واحدة حلوة كابتسامة الشمس، يوم التقاها وضمها بين أصابع يديه، كانت ما تزال برعمًا صغيرًا يفترش الغصن الأخضر، ويتدثر بأوراقه الناعمة.

كبر البرعم وصار وردة تتراقص، تعانق أنسام الربيع بعطر خلاب يملأ شذاه رئة حياته، لا وردة تنافسها إشراقًا وجمالًا وحيوية، يكفيه جمالها، يسكره عطرها، يحييه شذاها، سعادته جوارها، وسكنها بين الضلوع، يحميها غدر العواصف والرياح.

عاشا معًا أجمل أيام العمر، ابتسامة عينيها متعة ناظريه، إشراقة ثغرها العذب الباسم فرحة تستقر في أعماقه، كلماتها، همساتها، لحن شجي رقيق النغمات ينسكب في ثنايا وجدانه، يسكره فيذوب، يتيه، يسبح في دنيا من خيال.

ويومًا ما فارقها غير طائع ولا مختار، يوم واحد لم يمنحها رشفات ماء قبلته، هجرت بستانه وتركت له بقايا غصنها الأخضر، تبكى وريقاته كأنها تنعى وردته، أه، أه، أه.

ذلك الجار الثقيل عاشق الدم والساطور والسكين، سرق الوردة، ذبحها عن غصنها الغض.. منتهى الوحشية.

جزار يذبح وردة، لم يرق قلبه وأوراق الغصن تسكب دمع الفراق دمًا، قد بدت شاحبة ذابلة، باكية، هزيلة، أقبض الجزار على الوردة بكلتا يديه وأخذها إلى مذبحه، وألقى بها بعد أن امتص كل رحيقها، واستنشق ما بقى من عبيرها وشذاها، وأجهز على كل عطرها، في ركن قصي من غرفة مظلمة، تكابد الشوق لرشفة ماء، تهفو لنسمة هواء، تتوق إلى ومضة ضياء، لكن من أين؟

والجزار ما عنده غير الدم والساطور والسكين، صارت الوردة ذات العطر والشذى والعبير مجرد وريقات شاحبة صفراء جفت فيها ينابيع الحياة.

الوردة تبكى، تصرخ في الظلام، تشكو قبضة الجزار، تكاد تختنق بين أصاع الوحدة التي تطبق على أنفاسها وراء أسوار الإهمال والنسيان، وهى تكاد تنسحق بين رحى الخوف والظلام.

أما عاشق الوردة فيعتصره الألم يكاد يمزقه، يطحنه، يسحقه بلا هوادة، فلم يبق من وردته سوى بقايا ثوب جميل كانت تختال به وأشلاء من غصنها وأنفاس عطر مبعثرة، لم يبق منها سوى الحطام، ولم يبق له إلا الدموع والأنين والذكر.

الوسوم