حكاية الشهيد “هاني محمد” ابن الكتيبة 101 الذي رحل والديه حزنا عليه

حكاية الشهيد “هاني محمد” ابن الكتيبة 101 الذي رحل والديه حزنا عليه الشهيد هاني محمد عبدالله ووالديه، تصوير- فاتن الخطيب

الوقت هو العِشاء، والتاريخ يوافق التاسع والعشرين من يناير 2015، مجموعات إرهابية من أنصار بيت المقدس تهاجم أماكن عدة بالعريش وتُطلق قذيفة صاروخية صوب الكتيبة 101 ويرتقى مجموعة من أبطالنا شهداءً، كان أحدهم الشهيد هاني محمد عبدالله.

وقع الخبر على الوالدين وكأنه الصاعقة الكبرى، رحل قرة العين ونخر الحزن في عظم الأهل ففارقوا الحياة في نفس عام استشهاده حزنا على رحيله آملين فى لقائه في جنة الله…”الأسايطة” كانت في ضيافة أسرة البطل الشهيد فى حلقة جديدة من سلسلة “أنا البطل” لتستمع إلى حكاية من العم والأخ.

المكان

شارع الدواوين بمدينة البداري، تلوح لافتة مكتوب عليها مدرسة الشهيد هاني محمد عبدالله الابتدائية بنين، وبالتحرك إلى قرية تل زايد حيث مسقط رأس البطل الشهيد ومنزله يستقبلك العم والأخ لتفتح المضيفة أبوابها لاستقبال فريق العمل، وأول ما تلمحه عينيك صورة للشهيد تتوسط حائط المضيفة وعلى يمينها صورة للأم وعلى يسارها صورة للأب رحمة الله عليهم.

العم

العم ستيني العمر، تتسارع شهقاته وتتوارى كلماته خلف الدموع، وبالكاد تستطيع التقاط كلمة منه فلقد غرقت كل كلماته فى بحر دمعاته المنهمرة، وبعد أن استطاع تمالك نفسه، بدأ العم أحمد حديثه قائلا: “كان بيقول الناس كلها عندها أبو واحد وأنا ليا أبين”، كان دائما يقول لي أنت أبي الثاني، كان لي مكانة خاصة عنده “أي طلب أطلبه منه ليل نهار ميقولش لأ”.

يتابع العم: ربيته على يدي فوالده كان يسافر للعمل وتوليت مهمة تربية أبنائه فى غيابه والأقرب إلى قلبي هو هاني، كان هادئ الطباع مطيع لأهله، “كان أكتر ما يكون ولدي اللى من صلبي، مكنتش أكل لقمة إلا بيه ولو غايب أخليله نايبه لحد ما يجيى”، لقد كان لي ضحكة القلب وشفاء الروح أشبه بملاك لا يحمل إلا كل ما هو حميد وعظيم من الصفات، أخلاقه عالية وأدبه يحكى به الجميع محافظا على فروضه وعلاقته بربه.

الأخ

حان وقت حديث أحمد، الأخ الأكبر للشهيد، الملامح واحدة والشبه قريب جدا والأعين اكتست دمعا ولكن الرأس مرفوعا وشامخ، ليروى عن أخيه قائلا: نحن سبعة أبناء وهاني هو الإبن الخامس وأنا أكبره بست سنوات، رأيته يكبر أمام عيني منذ أن رأت عيناه النور، “أنا اللى مربيه واللي كنت أقوله عليه يمين يمين وشمال شمال”، ولم أكن أسمع منه سوى كلمة حاضر فلقد كان مطيعا هادئا، وفي شبابه كان يرفض تماما أن يكون له رفيق من الشباب الذين يفتعلون المشاكل أو يسيرون فى الاتجاه المعاكس.

صفات

يُكمل: كان يحترم أبي وأمي شديد الاحترام “دايما يبوس على راسهم وأيديهم وميرفضش ليهم طلب وعمر ما علا صوته عليهم”. ومهما كان والده غاضبا لأى سبب واحتد في الحوار لم يكن يقول سوى حاضر “قول اللى انت عايزه وساعات يقلبها هزار عشان يلطف الأمور”.

الحلم

بداخل الأخ أحزان غارت فى أنحاء قلبه لرحيل الأحبة واحدا تلو الآخر، تلوح أحزانه في صوته المتقطع وملامح وجهه المعجونة حزنا ليتابع حديثه دامعا: أنهى هاني مراحل تعليمه وحصل على دبلوم فني تجاري وكان يتمنى الالتحاق بالجامعة، ولكنه رأى أن الأمر لن يفيده كثيرا فهناك الكثيرين من حملة المؤهل الجامعي ولم يقدم لهم المؤهل الجديد من ناحية العمل، فقرر أنه بعد إنهاء الخدمة العسكرية سيسافر للعمل بالخارج. وكان له حلم أوحد يتمنى تحقيقه، “كان يقول أنا عايز أريح أبويا وأعالج أمي”.

العمل

يستأنف أحمد حديثه: منذ صغره وهو يعمل ويعتمد على نفسه ويساعد مع والده، فكنا نستأجر أرضا لزراعتها كان يذهب مع والده ويتقدم صفوفنا، حتى وإن كان عمره وقتها لا يتعدى التسع سنوات، ويوم وراء يوم زاد حبه للعمل ومساعدة أبيه فكان يخرج لمساعدة والده فى الأرض التي نستأجرها ويقضى معه فترة الصباح، ثم يذهب للعمل في جمع الرمان أو أي محصول فى موسم حصاده من بعد العصر حتى العشاء، كان هكذا يقضى يومه وقته كله لأهله وللعمل وليس له من حياته شيئ.

كان ينزل إجازته من الجيش “مينامش”، يغفو في المساء ثم يخرج لعمله في الأرض في الصباح ويأخذ من أجر عمله مصروفه فقط ويُعطى الباقي لأبي.

الجيش

يتابع: التحق أحي باللواء 12 بالإسماعيلية سلاح مشاه ميكانيكا، ثم التحق بالكتيبة 101 بالعريش، وكان محبا للجيش ولأصحابه هناك، وكان كتوما جدا لا يحكى أي شيئ يحدث هناك حتى إنه أتى أكثر من مرة مصابا ولم نعرف إلا بمحض الصدفة وذات مرة لاحظت حرقا في يده وقدمه “لولا حلفته مكنش قالى السبب”، فقلد كان شطية لغم وخشى إخبارنا حتى لا يقلق أمي وأبي، ومرة أخرى سقط من على الدبابة وغيرها من المرات.

ثأر

كان سلاحه آر بى جى وفي إحدى المداهمات كان له زميل يحبه أكثر من نفسه استشهد عقب إصابته من فوق الدبابة فهو من كان يمسك برشاش الدبابة وطلب منه الضابط التعامل مع الهدف وكانوا يضربون جنودنا من سيارات دفع رباعي وعلى الفور تعامل هاني مع العربة ومات أربعة من الإرهابيين وكان عدهم ستة، وكان دوما يقول لقائده كلما خرج مداهمة “خدنى معاك أنا عايز أجيب حق صاحبي”، فيقول له القائد “انت خدته” فيقول له هاني “لا لسه”.

حزن أخي أشد الحزن على رحيل رفيقه وكلما حاولت التخفيف عنه يقول لي “أنا بعتبره أحسن منك انت ذات نفسك انت قاعد في البيت وهو معايا في النار”.

آخر أجازة

يُكل الأخ حديثه: آخر إجازة قضى معنا عشرة أيام، وقال لنا جملة استغربناها فقال “إن شاء الله ربنا يكتبلى الشهادة وتحتسبونى عند الله شهيد”، وفي كل مرة كان يجدنى نائما أثناء رحيله من المنزل فيرفض أن يوقظنى ولكن هذه المرة أصر على إيقاظى، “وقالى هو انت مش عايز تسلم عليا، سلم عليا يمكن منشوفش بعض تاني؟”، وبالفعل “مشفتوش تاني”.

وفي أخر مكاملة له، كانت أمي مريضة تعانى من ضعف في عضلة القلب وأنا كنت في القاهرة فحدث زميله هنا وطلب منه الحجز لوالدتي عند الطبيب ثم حدثنى هاتفيا وأخبرنى بذلك وطلب مني أن نذهب بها إلى الطبيب، ووقتها مزحت معه وقلت “معاك فلوس ولا ابعت لك؟”، فرد قائلا “معايا فلوس معايا 700 جنيه في منهم 100 جنيه عزلتها على جنب طالعة لله والباقي ليا”، وبعد استشهاده وجدت نفس المبلغ الذي قاله في جيبه والمائة جنيه التي أخرجها لله في ركن وحدها.

الاستشهاد

تتابع الحديث إلى أن وصل إلى أقسى اللحظات على قلب الأهل، ليصمت صوت العم والأخ ويتحدث صوت شهقة الألم على الفراق وتسكن الأجواء للحظات وبعدها يبدأ صوت الأخ المنخفض فى الحديث قائلا: يوم استشهاده كنت في القاهرة ويومها اهتز كياني بقوة وأصابنى تعب غريب ولا أعرف السبب وصرت لا أطيق رؤية أحد، وأغلقت هاتفي ونمت وإذ بي أرى مناما به الشهيد، “شفت هاني راكب على حصان ارتفاع 20 متر وأنا راكب حصان زيه ومعانا واحد تاني معرفوش بس الناس بيقولوا ده ملك الموت وفي شهيد، وبعدين هاني جه يضرب الحصان علشان يجرى بيه قلت له خليك جنبي متبعدش راح اللى بيقولوا عنه ملك الموت مسك إيدي وقال هو فى مكانة أحسن منكم وانتوا وراه، وأنا برضو بقول لهاني متبعدش فقالى سينى أنا ماشي قدامك وانت ورايا بخطوتين أو تلاتة،”وفجأة أيقظنى زوج أختي من النوم وطلب مني فتح الهاتف فوجدت خالي يحدثنى ويقول لي “هاني استشهد في الجيش”.

وهنا يُعاود الأب الثاني حديثه راويا لحظة استقبال الخبر بقوله: كنت جالسا لتناول العشاء وفجأة نادانى ابن عمي وقال لي هناك أناس يسألون عنك فذهبت تجاه السائلين فوجدت أبناء عمي جالسين فسألتهم أين الضيف الذي يسأل عني؟، فقال ابن عمي “والله سامع بيقولوا هاني اتصاب”، ففزعت وقلت “لا مفيهاش إصابة يبقى هاني مات”. ومن يومها وأنا من أشعر بأني ميت “رحمة الله عليك يا ابني”.

فراق الأحبة

لحظة قاسية جدا على قلب أحمد آن أوان الحديث عنها، ليروى مشهد رحيل الوالدين بعد رحيل أغلى الأبناء قائلا: والدتي كانت مريضة قلب وتفاقم مرضها بعد رحيل أحب من أنجبت إلي قلبها، وأبي باغتته الذبحة الصدرية أكثر من مرة وخضع لجراحة قلب مفتوح، فلم يتحمل أي منهما رحيل الغالي، “والدتي طلعت من العناية المركزة تاني يوم أخدت أبويا للمستشفى العسكري يعمل عملية قلب مفتوح”.

تغلغل الحزن بأوصال أبي وأمى حتى تمكن منهما وقضى عليهما واحد تلو الآخر فى نفس العام الذي رحل فيه أخي بعدما قضوا شهورا يصارعون المرض لا يقوون على تحمل العيش بدونه فتهدمت أركانهم ومات كل شيئ فيهم يوم بعد يوم حتى جاء الموت الأخير، ففارق أبي الحياة بعد صراع مع المرض في 18/12/2015 ولحقت به أمي في 19/1/2016 بعد رحيل أخي فى 29/1/2015، وماتت شجرة الأحباء غالٍ تلو غالٍ.

الوسوم