حكاية ثلاث فتيات خرجن للنور بعد مشروع “مدن آمنة”

حكاية ثلاث فتيات خرجن للنور بعد مشروع “مدن آمنة” مشروع الفتيات تقود مدن آمنة

“الفتيات تقود مدن آمنة” مشروع أطلقته هيئة بلان إنترناشيونال غيّر حياة كثيرات، منهن ثلاث فتيات التهمت العزلة سنوات طوال من أعمارهن، حتى انخرطن في العالم الذي رسمنه لأنفسهن فقط.

يهدف مشروع مدن آمنة إلى خلق مساحات آمنة للفتيات وهذا لا يأتي  بدون مشاركة كل الجهات المعنية في المجتمع والتي تتعامل مع الفتيات عن قرب والمشروع يستخدم منهجية (أبطال وبطلات التغيير).

يستهدف المشروع الفتيات والشباب بل أولياء الأمور لأن المسمى مدن آمنة فهو يهدف إلى التعامل مع المجتمع المحيط بالفتاة لخلق بيئة توفر أجواء آمنة  للفتيات وتستهدف الفتيات من 13 إلى 18 ومن 19 إلى 24 وكذلك الأولاد.

جمعية سيدات الأعمال إحدى الجمعيات المنفذة للمشروع بأسيوط، وكانت ملاذ لهؤلاء الفتيات ولغيرهن، بل والشباب أيضا، بهدف الخروج من العزلة على اختلاف أسبابها، والقدرة على القيادة ومواجهة العالم الخارجي.

السرية والحفاظ على الخصوصية، هي أساس عمل القائمين على المشروع فهو يخلق مساحات آمنة للمتدربين، ولهذا كان شرط “بلان” للحديث مع الفتيات عدم ذكر أسمائهن.

صدمة

“نور”، 19 عاما، و”منار”، 18عاما، أسماء مستعارة، توفى والداهما إثر حادث أليم، عندما كانتا في مرحلة رياض الأطفال، فسبب لهما ذلك صدمة نفسية لم يستطع أي من الأقارب علاجها، وبدأت الفتاتان تدوران في فلك الوحدة والانعزال التام عن العالم والبكاء المستمر والصوم عن التعاملات مع الآخرين، وكبر العمر وهما على نفس الحال بلا حتى أصدقاء.

بعد وفاة الأبوين تولت الخالة أمريهما، ورغم كل محاولاتها لإسعادهما إلا أن الجرح كان عميقا وكان الحديث بالكاد، وخلف أبواب الغرفة المغلقة تتلخص حياتهما.

في المدرسة كانت منار تختبئ خلف صفحات كتبها في وقت الفسحة وتتعمد شغل نفسها بالمذاكرة، كي تمنع أي زميلة من الحديث معها، “كنت بقعد من برة على الديسك عشان أفضل لوحدي”، وفي المرحلة الإعدادية قررت منار دخول عالم الرياضة وبدأت بلعبة الجودو وحاليا الملاكمة وحصلت على المركز الثالث على مستوى الجمهورية في الملاكمة، والخامس في الجودو.

حياة في الظل 

أما نورا فلخصت شكل حياتها بقولها “كنت دايما في حالي وبحب أكون لوحدي وحتى الخروجات بخرج لوحدي” حتى إنها خبأت عن زملاء المدرسة وفاة والديها، حتى لا يخترقون حياتها، وقررت الدخول في عالم تصميم الأزياء وعلمت نفسها بنفسها حتى صارت تحيك لنفسها زيها الخاص، ولكن لا الرياضة ولا الخياطة جعلوا الفتاتين تخرجان من عزلتهما.

“كان نفسى أهزر وأضحك أنا شخصية مرحة بس للأسف معرفتش، إحنا مبنتكلمش مع حد ولا بنبين إن فى حاجة مزعلانة عشان محدش يسألنا مالكم بنحاول دايما نبين إننا مبسوطين وعادي”، هكذا تقولان.

لم تؤثر العزلة على المستوى التعليمي لهما، لكن أثرت عليهما سلبا في مواجهة الناس، حتى أنهما لم يكن لديهما من الشجاعة ليتفاعلا مع المدرس في الفصل”لما كان المدرس يقومني أقرا معرفش أقرأ وكان أصحابي يضحكوا عليا”.

صديقة واحدة هي التي استطاعت كسر حاجز العزلة لدي الفتاتين، ففي الصف الثالث الثانوي أهدى الله نورا تلك الصديقة وكانت صديقة للفتاتين وهي التي وثقا بها ومن اقترحت عليهما الذهاب لحضور محاضرات “مدن آمنة”، وبالفعل ذهبتا معها  وبعد تلقي المحاضرات بدأت الشخصية تتغير للأفضل رويدا رويدا حتى جاء اليوم الذي وقفن فيه على المنصة في حفل كبير لرواية رحلتهما دون خوف.

منذ ثلاثة أشهر تلقت نورا ومنار التدريب ورأت نورا أن المشروع غير شخصيتها بنسبة 75% أما منار فترى أنها تغيرت بنسبة 90%.

خجل

نجوى “اسم مستعار”، 15 عاما، رغم أنها ليست بدينة إلا أنها كانت ترى أنها تعاني من السمنة “كان عندي كرش وكنت بشوف نفسي وحشة” فقررت الاختباء من الناس والانعزال مع نفسها وكلما نظرت للمرآة رأت نفسها أقبح بنات الأرض.

عزلة نجوى كانت سببا في تعرضها للعديد من المشكلات، منها ارتباكها في المدرسة والإجابة بالخطأ رغم أنها تعرف الإجابة الصحيحة، والأشد كان تصرف زميلاتها فكانوا يضيقون عليها في المقعد حتى تسقط منه ويلقون بكتبها جانبا ويكررون ذلك مرارا وهي لا ترد ولا تنهر وكل يوم تزيد المضايقات وتسوء حالتها النفسية أكثر.

ظلت نجوى على حالها إلى أن طرق زوار مدن آمنة باب بيتها لطرح فكرة المشروع فاقتنعت الأم والفتاة وتلقت نجوى المحاضرات على مدار شهرين وتبدل حالها لغير الحال فصارت مقتنعة بشكلها بل وقادرة على المواجهة والانخراط في المجتمع.

“كانوا قريبين مننا، ولقينا معهم الحاجات اللي كنا مفتقدينها والكلام اللي محتاجين نسمعه” كان هذا سر التغيير في شخصيات الفتيات الثلاث خلال المشروع.

جانب من احتفالية لسيدات الأعمال بالمشروع مصدر الصورة جمعية سيدات الأعمال
جانب من احتفالية لسيدات الأعمال بالمشروع مصدر الصورة جمعية سيدات الأعمال

المشروع

إنجي رأفت، مدير مشروع مدن آمنة بقيادة الفتيات بجمعية سيدات الأعمال، أوضحت أن المشروع ممول من هيئة بلان إنترناشيونال ومدته خمس سنوات وينفذ في ثلاث محافظات وهي أسيوط، القاهرة والإسكندرية  وبدأ في سبتمبر العام 2018 ، ويُنفذ في أسيوط في مجتمعات الأربعين وأبوتيج والقوصية، وجمعية سيدات الأعمال هي الجمعية المظلة للمشروع في الأربعين وأبوتيج، أما في القوصية فجمعية كاريتاس، وتم الاختيار بناء على دراسة ميدانية مكثفة منذ سنوات من هيئة بلان.

يستهدف البرنامج 1600 فتاة، و1000 شاب، و1500 أم، و500 أب، و75 من الحكوميين، و20 من الميسرين، و20 من منظمات المجتمع المدني، و20 من الإعلاميين، و100 من قادة المجتمع.

تتابع أن البرنامج عقد بروتوكولات تعاون بين مديرية التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والصحة، والجامعة، ووحدة مناهضة العنف والتحرش، فضلا عن التدريبات، والانتهاء من إعداد دليلين ويتبقى ثلاث أدلة من المقرر الانتهاء منهم في فبراير 2020، وتخريج أول دفعة في حفل ختامي كبير “حفل تخرج”.

جانب من احتفالية لسيدات الأعمال بالمشروع مصدر الصورة جمعية سيدات الأعمال
جانب من احتفالية لسيدات الأعمال بالمشروع-  مصدر الصورة جمعية سيدات الأعمال

تابعت إنجي أن المشروع خلال عام منذ بدايته خرج بقصص نجاح على أرض الواقع، مثل فتيات لم يكن في إمكانهن التحدث سوى مع أنفسهن ولا يعرفن قيمتهن ولا حقوقهن في الحياة، وبنات تعرضن للتنمر، وبعد حضور المحاضرات صرن متصالحات مع أنفسهن ويواجهن الحياة، دون اللجوء للاكتئاب والانطواء، وكذلك شباب كانوا يشربون السجائر ولديهم صداقات سيئة فكفوا عن ذلك وصاروا يعرفون قيمتهم.

البداية من المنازل

بدأ المشروع بإجراء زيارات منزلية، ولقاءات توعية وحملات دعوة وكسب تأييد واستطلاع رأى عن المشروع، ثم اختيار الجمعيات القاعدية وتم اختيار جمعيتي “الرسالة الإنسانية” بأبوتيج و”أنت فاعل خير” بالأربعين، واختير للعمل بالمشروع 10 ميسرين لكل مجتمع بصفتهم قادة مجتمعيين وتم تدريبهم عدة تدريبات وكل ميسر أصبح مسؤولا عن 25 فتاة وشاب.

التحق بالمشروع من بدايته 500 فتاة وشاب و1000 من أولياء الأمور، “إحنا متعودين دايما نروح للبنات والأمهات عمرنا ما روحنا للشباب والرجالة” وكان هذا سبب استهداف الذكور بالمشروع لإشراكهم في التوعية بأهمية النوع الاجتماعي، الذي يعني الدور الذي يقوم به الذكر أو الأنثى وليس صفاتهم الجسدية، والهدف من استهداف الذكور أن يعي كل منهم الدور المنوط به في الحفاظ على المرأة وعلى حقوقها “ويعرف دوره الصح”.

جانب من احتفالية لسيدات الأعمال بالمشروع مصدر الصورة جمعية سيدات الأعمال
جانب من احتفالية لسيدات الأعمال بالمشروع- مصدر الصورة جمعية سيدات الأعمال
الوسوم