“درنكة الجديدة” حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة.. ومسؤول: الحل بيد الأهالي

“درنكة الجديدة” حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة.. ومسؤول: الحل بيد الأهالي درنكة الجديدة ـ تصوير: أحمد دريم
تصوير- أحمد دريم

سنوات تلي السنوات والشكوى واحدة، فمازالت مساكن درنكة الجديدة حبيسة بين مستنقعات الصرف الصحي وجحافل الناموس وكابوس القمامة.

أكثر من أربعة سنوات مرت على أول تحقيق تُجريه “الأسايطة” بالمنطقة، ولم يكن التحقيق الأخير فتتابعت بعده الكتابات. واليوم وفي زيارة جديدة لوحظ انحسار برك الصرف إلى حد ما، لنستمع من جديد لشكوى الأهالي وتبث أحاديثهم عبر التحقيق التالي:

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
سنوات

المكان يبدو أفضل نوعا ما عن مرات الزيارات السابقة، ورغم وجود المستنقعات؛ إلا أنها أخف وطأة من المرات المنصرمة، وها هي شيماء محمد، ممرضة، تستهل الحديث شاكية: أسكن في إحدى عمارات مساكن شويبس منذ 10 سنوات، ومشكلة الصرف الصحي كما هي، بل على العكس زادت بازدياد العمارات السكنية المُسلمة في المرحلة الثانية.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
رشح 

مواسير تمر في ظهر العمارات السكنية أغلبها أسود اللون متآكل في الجزء السفلي منه، وينضح بالمياه التي تسير في خط مستقيم إلى الشارع، وحولها تستأنف شيماء الحديث: مسؤولوا شركة المياه قالوا لنا هذه المواسير خاصة بكم، فطالما هي خارج العمارة فهي مسؤوليتكم، وأنتم المسؤولون عن إصلاحها.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة

صمت حديث شيماء وكان وائل رمضان، موظف بالسكة الحديد، يبدأ في تشغيل دراجته البخارية استعداد للخروج من المنطقة، وبسؤاله عن أحوال الصرف الصحي قال: أسكن هنا منذ أربع سنوات والمشكلة على حالها، “إحنا مش عارفين نعيش”، نعم يتم سحب مياه الصرف من خلال عربات الكسح ولكن المشكلة كما هي، وزاد مقلب القمامة الأمر سوءا، وتحدثنا مرارا وتكرارا وما من حل “ياريت المحافظ يجيي بنفسه يبص علينا”.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
أمراض

وفي شرفة شقته، يجلس محمد جابر، بقال، لبيع بعض من السلع التي لا تكاد تملأ منضدة صغيرة، ليتحدث قائلا:  “مفيش حل أبدا مهما اشتكينا”، فأنا أسكن هنا من 10 سنوات والحال كما هو، وأغلب الساكنين القُدامى أصيبوا بأمراض الجهاز التنفسي بسبب الروائح الكريهة المنبعثة من برك المياه التي تُغرق الشوارع.

ويشاركه الرأي إيهاب ناجح، خيّاط، قائلا: 10 سنوات مرت على تواجدي هنا وتكلمنا كثيرا وما من حل، “ياريت يجي السيد المحافظ إحنا نفسنا يشوف حالنا ونتكلم معاه”.

ولم يختلف رأي أسامة صبري، نقاش، كثيرا عن سابقيه ليضيف إلى حديثهم، نعيش هنا منذ عشر سنوات وانتشار الصرف والقمامة بالشوارع تسبب في إصابة البعض بأمراض، وحتى الثعابين والزواحف والكلاب انتشرت بالمنطقة، وهذه البرك تتجدد يوميا، “ومحدش بيعمل لنا حاجة”، فالوضع غير آدمي، وحتى مياه الشرب ليست بأفضل حال فهي سيئة “لو مليت إزازة وسبتها شوية بلاقيها مليانة رواسب”.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
القمامة

أم أمير، ربة منزل، سيدة أربعينية تشارك برأيها قائلة: أقطن بالمنطقة منذ 5 سنوات، وشقتي في الطابق الأول، ورائحة برك مياه الصرف تُطبق على أنفاسنا، وتتأزم المشكلة بسبب القمامة المنتشرة بأرجاء الشوارع، والتي يحملها الهواء وتغرق في المياه الراكدة، ولا شك أن تلك البرك والمستنقعات تهدد صحتنا وتتسبب في انتشار الناموس والذباب.

وهنا تعود شيماء للحديث موضحة: مقلب القمامة مشكلة أخرى “الهوا يطير يلم الزبالة كلها علينا”، ويمتلئ الغسيل بالأكياس والأتربة، “بقينا بنفتح الباب بحساب” فلقد وضعنا أسلاك على النوافذ.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
تفتيش

شيئ جديد لم تلتقطه أعيننا في الزيارات السابقة، عبارة عن “طرانشات” مبنية من البلوك الأبيض بشكل مربع، ومرتفعة عن الأرض، ومنها ما هو مغطى ومنها ما هو بدون غطاء وممتلئ بمياه الصرف الصحي سوداء اللون كريهة الرائحة، لتقول شيماء عنها: صممنا غرف التفتيش الجديدة، ودفع كل منا 150 جنيها لذلك، وساهمت إلى حد ما في انحسار مياه الصرف الصحي.
ولكن رغم ذلك إلا أن الطفح تفوق عليها، ومازال هناك أماكن تستوطنها المستنقعات، “وللأسف المياه أكلت الأسمنت وبوظت الطرانشات”، فكانت أشد فتكا بالطوب والأسمنت فتآكلت حوائط غرفة التفتيش وتسربت المياه منها، نعم عربات الكسح تأتي للمنطقة؛ ولكنها أحيانا تتأخر “بقالي أسبوع مسمعتش صوت عربية كسح”.

وهنا يأتي أمير رأفت، ميكانيكي، ليقول: “من ساعة ما سكنا هنا من خمس سنين والحال على كده”، مياه الصرف الصحي تُغرق الشوارع والقمامة تحيطنا  “كل ما أنضف تتوسخ تاني”، ونحن من صممنا غرف التفتيش، والوحدة المحلية  هي من أتت بالطوب والأسمنت والرمل بتبرع بعض الأهالي، ولقد خففت هذه الغرف نوعا ما من الرشح.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
الحفر

أمر آخر جديد بالمنطقة لافت للانتباه، فالشوارع التي كانت غارقة بالصرف الصحي صارت عبارة عن مرتفعات وأكوام ترابية، هذا مرتفع وهذا منخفض، لتعاود شيماء حديثها شارحة: “كل اللي يلاقي لودر يقوله حطلي شوية تراب هنا سدلي عشان الميه”، فالمواطنين يريدون ساتر ترابي يحد من زحف مياه الصرف الصحي تجاه منازلهم.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
الصغار

أطفال تتفاوت أعمارهم ينتشرون عبر الشوارع، منهم من يلهو ومنهم من يشري احتياجات المنزل، ومنهم من تهندمت ملابسه، ومنهم من اختار أن يمشي حافي القدمين، فالمهم لديه أن يلعب، ومنهم من يخشى المساس بمياه المستنقعات في رحلة سيره فيقفز هنا وهناك حتى يصل.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة

وهنا يتحدث فادي سامي، تلميذ بالصف الثالث الابتدائي، معبرا عن حاله وحال أقرانه:  “الناموس شديد وبيقرصنا طول الليل ومبنعرفش ننام، وكذا مرة أغطس فى مية الصرف وأنا رايح المدرسة وهدومي بتبوظ وبرجع بيتنا تاني أغيرها”، فبسببها أتأخر على المدرسة، فالحياة هنا صعبة جدا ومللنا منها، “إحنا عايزين ننقل وبندور على شقة”.

أما مها حماده، تلميذة بالصف الخامس الابتدائي، فتقول: كل شيئ هنا سيئ، الناموس والذباب، “والميه اللي في الشوارع ريحتها معفنة”، فنحن لا نعرف كيف نسير في الشوارع، “مرة كنت جاية من المدرسة غطست في الميه نصي بقي جوة الصرف وهدومي كلها باظت”.

طفلة أخرى شاركت أصدقائها الحديث قائلة: “مرة كنت معدية في مية الصرف مأخدتش بالي لقيت عصاية دخلت في رجلي وخدت خمس غرز”.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
الكلاب

انتشار الكلاب صار ظاهرة واضحة بالمساكن، فتراهم يُرافقون خطوات الأهالي، ذاك صديق وفيّ يلهو مع الصغار وذاك مسعور يعقرهم، وشكى الأهالي انتشارها ومنهم من طالب المسؤولين بمكافحتهم، وتأتي فرحة أحمد، 12 عام، لتروي موقف مفزع تعرضت له: “كنت بعدى الشارع راح الكلب طار ورايا وعضني في رجلي”، فكنت أمر في الطريق ذاهبة للمنزل وكانت الأجواء قبيل المغرب ففوجئت أمامي بكلب، “أنا معدية ولقيت الكلب بيزوم وفجأة طار ورايا”.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة

فزعت؛ فأنا وحدي ولا أحد بالمكان، ظللت أصرخ كي ينجدني أحد ولكن ما من أحد بالشارع، وأهرول بأقصى سرعتي وأرتعد خوفا، وفجأة سقطت بمياه الصرف؛ فالتقط الكلب قدمي وعقرني وأخذت أصرخ بجنون، “محدش شافني ملقيتش حد خالص والألم شديد في رجلي، وقعدت فترة لغاية ما أخويا كان جاي بالصدفة من الشغل شافني قومني ووداني المستشفى، وخدت حقن كتير”

وهنا عادت شيماء محمد، للحديث مرة أخرى مسترجعة موقف لها مع الكلاب: كثيرا ما استيقظت من نومي على صوت صراخ الأطفال التي تطاردها الكلاب، وذات مرة كنت عائدة من عملي وحينما وصلت إلى العمارة فوجئت بكلب يقف بالمدخل ولا يتحرك، فما كان مني إلا أني انتظرت وثبت مكاني حتى تحركت.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
مسؤول

أما نشأت محمود، رئيس الوحدة المحلية بدرنكة، فيرد على شكاوى الأهالي قائلا: تم تحديد مكان خاص بمحطة صرف صحي وحصل على جميع الموافقات وبانتظار قرار التخصيص، ودرنكة الجديدة مع دير درنكة ضمن خطة معونة البنك الدولي، فلقد تم تخصيص مساحة أربعة قراريط و12 سهم للمحطة وهي مسألة وقت لا أكثر.

ولكن المشكلة بقرية درنكة الجديدة النصيب الأكبر فيها على السكان، لأن المشكلة في التوصيلات الخارجية بالعمارات، فهي بحاجة لإصلاح، فتآكل المواسير تسبب في خروج المياه منها، وهي التي تُغرق الشوارع، وشركة مياه الشرب والصرف الصحي اختصاصها كسح الآبار والوحدة المحلية اختصاصها النظافة أو إصلاح غطاء طرانش مثلا.
ولكن التوصيلات الخارجية مسؤولية المواطنين وعليهم إصلاحها، ومساكن شويبس تحديدا تتبع بنك الإسكان والتعمير، وحاولنا مرارا وتكرارا إقناع المواطنين بإصلاح التوصيلات الخارجية، لأنها هي السبب الرئيسي في المشكلة، وتواجد تلك المستنقعات ولكن ما من مستجيب.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
مواسير

والمواسير متهالكة وبحاجة إلى صيانة، ومنذ تسليم العمارات في التسعينات لم يُجرى عليها أي أعمال صيانة أو تطوير، كما أن العمارات أصبحت كلها تمليك، وما زاد من المشكلة أن بعض الشقق تم تأجيرها، فالمستأجر يرفض إصلاح المواسير، ويعتبر أنها ليست بشقته، والمؤجر لا يعنيه الأمر فهو يحصل على إيجاره ولا يضره من الأمر شيئ،  ولكن الشركة تكسح الصرف وتقوم بدورها.

ولقد تم توفير طوب وأسمنت ورمل بالجهود الذاتية من تبرعات أهل الخير، وحملتهم بسيارتي للمنطقة وبنى الأهالي الطرنشات الجديدة.

ولكن المشكلة هنا أنه حتى لو دخل الصرف الصحي لدرنكة الجديدة فمشكلة الصرف ستظل كما هي، وستظل الشوارع غارقة؛ لأن المواسير مازالت متآكلة وتخرج منها المياه وتُغرق الشوارع.

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
قمامة

وحول مشكلة القمامة يرد نشأت، هذا المكان محل الشكوى ليس مقلب القمامة العمومي لدرنكة، فالمقلب العمومي قبل دير درنكة ومساحته حوالى 13 فدانا، ولكن هذا المكان هو مكان تشوينات لنواتج أعمال الحفر في كوبري الهضبة، وفور تسليم الكوبري لن يكون به أي تشوينات جديدة.

يتابع: وبالنسبة لنظافة الشوارع، فلا العامل ولا المعدة يستطيعون دخول المنطقة بسبب نفس المشكلة، وهي ما تسببه مياه الصرف الصحي بالشوارع، فكيف للعامل أن يؤدى عمله وسط بركة مياه وكيف للمعدة أن تدخل؟

درنكة الجديدة حبيسة مستنقعات الصرف الصحي والقمامة
خلفية

يصل عدد عمارات درنكة الجديدة إلى 40 عمارة سكنية، ما بين عمارات شويبس وهي المساكن التي أنشأها بنك الإسكان، وعمارات الإسكان الاقتصادي.

الوسوم