بدايةً لكل سلعة قيمتان مادية واقتصادية، فالماء مثلاً نجده هام جداً وذا منفعة عظيمة، وهو يلبي حاجة إنسانية ملحة، فهو كمادة له قيمة مادية بخواص فيزيائية وكيميائية كغيره من المواد المعروفة، وتتحدد قيمتها وفقاً للندرة كمورد، فضلاً عن مقدار النفع والفائدة والذي يعرف بالقيمة الاقتصادية، ويتوقف مقدار النفع والفائدة على مدى تلبية الماء لرغبة الإنسان وحاجته، فسعر السلعة عبارة عن القيمة المادية مضافاً إليها القيمة الاقتصادية.

وهنا يجب التفرقة بين الثمن والسعر، فالأول يعبر عن كمية النقود التي يمكن بها مبادلة كمية معينه من سلعة ما، أما السعر فهو عدد وحدات النقود التي يمكن بها مبادلة وحدة واحدة من السلعة، ويتحدد السعر وفقا لجانب العرض والطلب ولكن ما دور كل منهما في تحديد السعر؟ فالعرض يحدد السعر الذي يكون المنتجون عنده على استعداد لعرض السلعة، وجانب الطلب يحدد الكميات التي يكون المشترون على استعداد لشرائها عند هذه الأسعار.

إذن فالمنتجون هم من يحددون السعر الذي تباع به الوحدة من السلعة إضافةً إلي هامش الربح ودور الطلب في ذلك يقتصر علي التكيف لما حدده المنتجون الذين يمثلون جانب العرض، فالمدخل الصحيح لدراسة السعر ومحاولة ضبطه يتمثل في تحليل جانب العرض ولكى يتضح الأمر أكثر ننظر إلي عناصر الإنتاج التي تساهم في إنتاج السلعة فإنها تقسم إلي قسمين من حيث طبيعة العائد الذي تحصل عليه تلك العناصر، أولهما يتمثل في العناصر التي تحصل علي عائد محدد مسبقاً وغير مرتبط بنتيجة النشاط الاقتصادي – إنتاج السلعة – وهذه العناصر هي الأرض والعمل والوقت، والقسم الثاني تمثل في العناصر التي تحصل على عائد يتحدد بنتيجة النشاط الاقتصادي – إنتاج السلعة – وهذه العناصر هي رأس المال والتنظيم وهذا القسم يقتسم الأرباح وتسمي بالعناصر الإنتاجية الربحية .

ومن العرض السابق يتضح لنا أن تطابق السعر مع القيمة الحقيقية للسلعة يتوقف على مقدار الأرباح لعناصر الإنتاج الربحية – رأس المال والتنظيم – والذي يحدده المنتجون الذين يمثلون جانب العرض، وتحديد الربح العادل يعتمد على ضمير المنظمون والاعتماد على الضمير في تحديد الأسعار أظن أنها في الآونة الأخيرة أصبحت سيئة السمعة.

ولما كان النشاط الاقتصادي للمجتمع هو محصلة أنشطة مختلف الوحدات الاقتصادية التي يتكون منها فإن التسعير يشارك في تحديد هيكل ومستوي النشاط الاقتصادي للمجتمع في ظل ظروف فنية واجتماعية معينة، وتتحدد مقدرة كل فرد في المجتمع علي الاستفادة بثمار النشاط الاقتصادي – الناتج القومي – بمقدار نصيبه من الدخل القومي وهذا النصيب يتوقف بدوره علي مقدار مساهمة الفرد في النشاط الاقتصادي في المجتمع لبيعه لخدمات عناصر الإنتاج المملوكة له، وعلى ذلك فإن أسعار خدمات عناصر الإنتاج تحدد نصيب كل فرد من الدخل القومي ولا يقتصر الأمر علي أسعار عناصر الإنتاج فقط علي توزيع الدخل القومي فأيضاً أسعار السلع الاستهلاكية تمارس دوراً مؤثراً في هذا الصدد، ففي ظل نمط معين لتوزيع الدخل القومي يتأثر نصيب كل فرد من الدخل القومي بهيكل أسعار السلع الاستهلاكية .

ويمكن القول بأن السعر سواء تعلق الأمر بعناصر الإنتاج أو بالسلع الاستهلاكية يحدد  بشكل أساسي نمط توزيع الدخل القومي كما أن تطابق السعر مع القيمة الحقيقية للسلعة – وهو ما يهدف إليه هذا المقال – من الأهمية بمكان لتحديد نمط وتوزيع الدخل القومي، فمن المعروف أن الأفراد يحصلون علي دخل نظير مشاركتهم في النشاط الاقتصادي بعناصر الإنتاج المملوكة لهم لذلك فإن تطابق أسعار عناصر الإنتاج مع قيمتها يجعل عملية التوزيع تتم حسب مقياس حقيقي ويتمكن كل عنصر إنتاجي من الحصول علي مقابل عادل لمساهمته في النشاط الاقتصادي دون أن تتعرض فئة لظلم فئة أخري، فعلى سبيل المثال لو انخفض سعر أحد العناصر عن قيمته الحقيقة يؤدي ذلك إلي حرمان ملاك هذا العنصر من جزء من الدخل المستحق لهم وتستحوذ عليه فئة أخري  دون مشاركة فعلية في النشاط الاقتصادي ، كذلك فإن ارتفاع الأسعار للسلع الاستهلاكية عن القيمة الحقيقية فإن المستهلكون يدفعون جزء أكبر من دخلهم مقابل حصولهم علي نفس القدر من السلع ، وذا يعني أن جزءاً من دخول المستهلكين ينتقل إلي فئة أخري دون مشارك فعلية في النشاط الاقتصادي في المجتمع.

وعلى ذلك فإن تطابق السعر مع القيمة الحقيقية سواء تعلق الأمر بعناصر الإنتاج أو بالسلع الاستهلاكية، يضمن حصول كل فرد في المجتمع علي مقابل عادل لمساهمته في النشاط الاقتصادي ويساهم ذلك في تحقيق التوزيع العادل للدخل القومي علي أفراد المجتمع .

فأري بضرورة تدخل الدولة في تحديد هامش الربح بنسبة تتراوح ما بين 15-20% من إجمالي التكلفة الفعلية للسلعة، وإنشاء جهاز لترشيد الأسعار بعمل قائمة أسعار للسلع الاستهلاكية تسمي قائمة ترشيد الأسعار وهذا الجهاز يكون تابع للرقابة الإدارية أو لجهاز حماية المستهلك بوزارة التموين، حتي لا يترك الحبل علي الغارب لارتفاع الأسعار بسبب وبدون سبب .