الدعوة إلى الله فريضة خص الحق -سبحانه وتعالى- بها رسله، ثم جعلها من بعدهم مهمة العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء؛ كي يبلغوا دين الله -جل وعز-؛ فينتشر الإسلام المصلح لكل زمان ومكان في أرجاء المعمورة، ومن ثم؛ فإنه يرجى من المسلمين أن يكون لهم قصب السبق، واليد الطولى في الإصلاح والابتكارات والإنجازات في عصر العولمة، التي هي ناتج عصر المدنية والتقنية الحديثة.

إن العولمة -كما عرّفها المتخصصون- مصطلح يشير إلى تلك العملية، التي يتم فيها تحويل الظواهر المحلية أو الإقليمية إلى ظواهر عالمية، أو هي عملية يتم بواسطتها تعزيز الترابط بين شعوب العالم في إطار مجتمع واحد، وتمثل هذه العملية مجموع القوى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية؛ لتجعل العالم قرية صغيرة لتبادل الثقافات والمعلومات.

إن التقنية الحديثة جعلت العالم كله شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا، ينساب بعضه على بعض، فلا حدود تفصل، ولا قيود تمنع، ولا شيء يعرقل سرعة تبادل المعلومات وانتقالها كبرقٍ خاطف، فكأن العالم كله حجزة صغيرة، يدوي الصوت بين أرجائها.

إن على دعاة الإسلام- في عصر العولمة -أن يتجاوبوا وينسجموا مع كل جديد، يخدم دينهم وأوطانهم ، في أُطر تتناسب مع الكتاب والسنة، شريطة أن يكون التعامل مع العولمة وكل جديد مبنيا على ما يتناسب مع الكتاب والسنة، وفقه التيسير؛ لأننا نعيش حقبة زمنية نستقبل فيها عبر الفضائيات أفكارا، منها ما يحمل ثقافة غير ثقافتنا، بها إغراء وإغواء؛ لهدم الشخصية الإسلامية؛ ومن هنا وجب على الدعاة وجوبا شرعيا ترسيخ أسس قوية للناس، منبثقة من قواعد العقيدة والدين، والعمل على دفع كل ما يضر المسلمين في دينهم ودنياهم، وجلب ما فيه كل مصلحة لهم.

إن الدعاة إذا لم يواكبوا العولمة ويطوعوها لخدمة الدين فسينأون عن حقل الدعوة بطرقها الحديثة، ولا شك أن العولمة توقفنا على ثقافة العالم من حولنا، وتتيح فرصا، وتفتح آفاقا جديدة؛ لنشر الإسلام شرقا وغربا، وتوسع المجالات للحوار مع الأمم الأخرى، والرد على شبهات المبطلين؛ ليعلم كل من على الأرض يسر وسماحة الإسلام، الذي يقول نبيه – صلى الله عليه وسلم-:” إن الدين يسر”.

هذا ما ينبغي للداعية أن يعيه تجاه العولمة؛ فيستغل العلم الحديث والتقنية لصالح الدعوة؛ ويستغل الانفتاح، شريطة أن يكون – كما سبق- منضبطا بالأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، نائيا عن كل ما يضرنا دينيا وسلوكيا .

إن على الداعية ألا ينساق وراء الأفكار التي يروج لها حفنة من كسالى عصرنا أعداء كل جديد، حيث لا يريدون للإسلام ازدهارا، ولا يريدون له انتشارا؛ فنراهم يطالبون الدعاة ألا يقحموا أنفسهم في مجال العولمة؛ لأنها ستشغلهم -على حد زعمهم-  عن الدعوة؛ لقضاء الأوقات الطويلة لملاحقة مجالات العولمة.

إن الدعاة لو استجابوا لمثل هذه النداءات المثبطة للهمم، واستمعوا لهذه الشرذمة المرجفة، لعزلوا أنفسهم عن العالم، ورجعوا إلى الوراء متقهقرين، في الوقت الذي نتلقى فيه -عبر الشبكة العنكبوتية – الهجمات الشرسة من أعداء الإسلام، فمن يتصدى لهم إن تخلى الدعاة عن رسالتهم؟!

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).