لا يزال الحديث موصولا عن فضل آباء النبي – صلى الله عليه وسلم- فنقول:

إنهم لم يشاركوا أهل الجاهلية في أعمالهم، وانظر ما وقع من عبد الله حين دعته المرأة لنفسها على أن تعطيه مائة من الإبل مثل التي فُدي بها؛ فقال لها:

أما الحــــرام فالممات دونــــه              والحــــــل لا حـــــل فأستبينــه

يحمي الكريم عرضه ودينه             فكيف بالأمر الذي تبغينه

وأما أمه الشريفة فقد أخرج أبو نعيم من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت شهدت آمنة أم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في علتها التي ماتت فيها، ومحمد غلام يقع له خمس سنين عند رأسها؛ فنظرت إلى وجهه ثم قالت:

بارك فيك الله من غلام                 يا ابن الذي من حومة الحِمام

نجا بعون الملك المنعام                  فودى غداة الضرب بالسهام

بمـائة من إبل سوام                      إن صح ما أبصرت في المنام

فأنت مبعوث إلى الأنام                  من عند ذي الجلال والإكرام

تبعــــث في الحل وفي الحرام           تبعث بالتحقيق والإسـلام

دين أبيك البر إبراهام                   فالله أنهاك عن الأصنام أن لا تواليها مع الأقوام

ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بالٍ، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا، ثم ماتت.

يقول السيوطي: “وهي التي قالت لحليمة حين جاءت به بعد شق صدره وهي مذعورة: أخشيت عليه الشيطان؟! كلا والله؛ ما للشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابني هذا شأن”.. وهي التي قدمت به المدينة عام وفاتها، وسمعت كلام اليهود فيه وشهادتهم له بالنبوة، ورجعت إلى مكة فماتت في الطريق؛ فهذا كله يدل على أنها تحنفت في حياتها”.

وقد ذكر بعضهم أنه لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت، قال: ومرضعاته أربع: أمه، وحليمة السعدية، وثويبة، وأم أيمن”.

وأما عبد المطلب فقد ظهر نور النبي – صلى الله عليه وسلم – في أساريره بعض الظهور، وببركة ذلك النور ألهم النذر في ذبح ولده، وببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور، وببركة ذلك النور قال لأبرهة: إن لهذا البيت ربا يحفظه، ومنه قال- وقد صعد أبا قبيس:

لاهُمَّ إن المـــــرء يمنــــع            رحله فامنـــــــع رحالك

لا يغـلبن صليبــــــــهم            ومحالهم يومــــــا محـالك

فانصر على آل الصلــ       يب  وعابديه اليوم آلك

وكانت الدية عشرا من الإبل، وعبد المطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل؛ فجرت في قريش والعرب مائة من الإبل، وأقرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. وينضم إلى ذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – انتسب إليه يوم حنين فقال:

أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب

والأحاديث وردت في النهي عن الانتساب إلى الآباء الكفار، وفي طبقات ابن سعد بأسانيده أن عبد المطلب قال لأم أيمن وكانت تحضن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:” يا بركة لا تغفلي عن ابني؛ فإني وجدته مع غلمان قريبا من السدرة؛ وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني هذا نبي هذه الأمة”

ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب أمر أبا طالب أن يحضر بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وهو صغير فاستسقى به، وأنشد أبو طالب في ذلك قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه            ثمال اليتامى عصمة للأرامل