طالعتنا الصحف مؤخرا عن خبر لافت للأنظار، ألا وهو إزاحة الستار عن أول تمثال لـ”عبدالناصر” الزعيم والرئيس المصري الراحل في روسيا، وذلك بمقر المكتبة الشعبية المركزية في مدينة بطرسبرج، وهو ما يدعونا للتأمل ما الذى يدعو دولة عظمى مثل روسيا  للاحتفاء بأحد زعماء العالم الثالث “ناصر” والذي رحل منذ أكثر من 40 عام.

ولا شك أن ناصر الذي ولد عام 1918 م في محافظة الاسكندرية لعائلة من قرية (بني مر) إحدى قرى مركز أبنوب بمحافظة أسيوط في وطن يقع تحت الاحتلال الإنجليزي والحكم الملكي الموالي للإنجليز.

المجتمع المصري عبارة عن هرم قمته من البشوات والإنجليز والجاليات الأجنبية وأتباعهم، بينما أكثر من 90% من الشعب يقع تحت نير الفقر والجهل والمرض، لا يكادون يجدون قوت يومهم، حتى أنه كان من أشهر مشروعات حكومة جلالته الخيرية  مشروع (مكافحة الحفاء) حيث أن أغلب المصريين يعملون باليومية في حقول وقصور علية القوم .

كان الوضع صعبًا جدًا والأمل يبدو بعيدًا جدًا، كيف لهذا الوطن بأن يتحرر، وقياداته وملكه وحكومته مستفيدون من وجود الاحتلال والشعب مكبل بقيود الثلاثي الملعون الفقر والجهل والمرض، ليس بيده أي أداة لتغيير هذا الوضع المزري.

وشاءت  الأقدار أن ينضم عبدالناصر ابن الطبقة المتوسطة  للكلية الحربية، حيث أرادت حكومة الملك أن تضم مجموعة من المصريين للجيش المحدود القدرات طبقًا  للاتفاقية الموقعة مع الاحتلال بعد غزو مصر عام 1882 م للقيام بالمهام التي لا يحب أبناء علية القوم القيام بها مثل مواجهة العصابات الصهيونية المدربة في فلسطين لإحراز مجد يبرر للملك فاروق الأول أن يطالب بقيادة العالم الإسلامي كبديل للخلافة العثمانية التي سقطت على يد الزعيم التركي العلماني كمال آتاتورك في العشرينات.

أرسلت حكومة جلالته القوات المصرية إلى فلسطين عام 1948 م بلا تدريب ولا إعداد ولا تسليح، ولا حتى خطة واقعية تراعي ظروف الحرب وقدرات الأطراف المتحاربة.

أحرزت القوات المصرية والعربية بعض الانتصارات في البداية بفضل الحماس والشجاعة التي أظهرتها القوات النظامية والفدائيون إلا أن ذلك لم يكن كافيًا وانقلب ميزان المعركة لصالح الصهاينة خاصة بعد وقف إطلاق النار والذي صب في مصلحة الصهاينة مما أدى لحصار القوات المصرية والتي كان ناصر أحد ضباطها في (الفلوجة) ورغم أن القيادة  في القاهرة لم تقدم أي دعم يذكر للقوات المحاصرة، إلا أن ناصر وزملائه استطاعوا كسر الحصار، والعودة بالقوات والسلاح لمصر، ولكن كل شىء قد تغير، وفقد ناصر كل إيمان بقدرة هذا النظام على تطهير نفسه وتحرير إرادة مصر.

انتهت الحرب بهزيمة القوات العربية المتحالفة فيما سمي بـ (النكبة) وإقامة دولة الكيان الصهيوني (اسرائيل) ولكن ناصر ورفاقه كانوا قد عقدوا العزم على إقامة تنظيم (الضباط الأحرار) والتخلص من الملك الفاسد وهي محاولة إن فشلت فعقوبتها معروفة للجميع، الاعدام رميًا بالرصاص .

استطاع ناصر التواصل مع عدد من الضباط المؤمنين بالقضية الوطنية وضمهم للتنظيم، وبدأت افكار ومنشورات الضباط الأحرار في الانتشار في كافة وحدات وثكنات الجيش المصري وبحلول عام 1950 بلغ عدد المنضمين للتنظيم حوالى 90 ضابطًا لم يعرف أحد بأسمائهم وأدوارهم في التنظيم إلا عبد الناصر طبقًا لشهادة خالد محى الدين – أحد ضباط التنظيم الأوائل- ليس ذلك فحسب، بل بدأ التنظيم في إحداث تأثير داخل القوات المسلحة وهو ما ظهر جليًا في انتخابات (نادي الضباط).

وللحديث بقية