ولاد البلد

البر كلمة جامعة لكل معاني الخير والصلة والعطاء وحسن العشرة وفعل الخير ومد يد العون للناس والإنسانية في أعلى صورها، وقد رغَّب الإسلام فيه وأمر به ودعا إليه وأمر بالتعاون عليه لأنه يجمع خصال الإسلام التي من تحقق بها جُمع له خير الدنيا والآخرة.

ومن عادة العلماء في مصنفاتهم أن يقرنوا البر بالصلة فيقولوا: “كتاب البر والصلة” أو “أبواب البر والصلة” تأكيدا عليها واهتماما بشأنها من باب ذكر الخاص بعد العام.

قال في النهاية: “البر بالكسر الإحسان وهو في حق الوالدين وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق وهو الإساءة إليهم والتضييع لحقهم .” وأما الصلة فهي “كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم، وقطعُ الرحم ضد ذلك”

وأولى الناس ببر الإنسان وصلته أبواه ثم الأقرب فالأقرب؛ أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي لله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: “أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك.”

قال النووي رحمه الله: “قال أصحابنا: يستحب أن تقدم في البر الأم، ثم الأب، ثم الأولاد، ثم الأجداد والجدات، ثم الإخوة والأخوات، ثم سائر المحارم من ذوي الأرحام كالأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ويقدم الأقرب فالأقرب، ويقدم من أدلى بأبوين على من أدلى بأحدهما، ثم بذي الرحم غير المحرم كابن العم وبنته، وأولاد الأخوال والخالات وغيرهم، ثم بالمصاهرة، ثم بالمولى من أعلى وأسفل، ثم الجار، ويقدم القريب البعيد الدار على الجار، وكذا لو كان القريب في بلد آخر قدم على الجار الأجنبي، وألحقوا الزوج والزوجة بالمحارم، والله أعلم.”

وقال القرطبي: “الرحم المحرم قطعها المأمور بصلتها على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة: رحم الدين، وتجب مواصلتها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى، وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم. وأما الرحم الخاصة: فتجب لهم الحقوق العامة، وزيادة عليها كالنفقة على القرابة القريبة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بُدِئَ بالأقرب فالأقرب.”

ولو لم يكن للبر والصلة من ثواب سوى راحة البال وطيب الحياة والذكر الحسن لكفى به، فكيف وقد وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أهله بالثواب الجزيل والأجر العظيم والنعيم المقيم.

وفي زماننا هذا بدت في واقع الناس ظاهرة غريبة يتنكر أصحابها للإنسانية والرحمة ويتبرمون بالقيم والأخلاق ويؤثِرون القطيعة على الصلة ويعلون العقوق على البر ويقدمون البعد على القرب بحجة أن برهم بوالديهم وصلتهم لأقاربهم يجلب لهم المشكلات ويدخل عليهم المكدرات ويؤدي بهم إلى خراب بيوتهم على حد قولهم.

والحق أن البر بين الناس وخصوصا الأهل والأقارب بريء من هذه المشكلات والمنغصات براءةَ الإسلام من الإرهاب وبراءةَ العلم من الشعوذة لأنه أعم من الزيارة التي هي إحدى وسائله ولها آداب يراعيها العقلاء والنبلاء.

وإنما تحدث المشكلات أحيانا بسبب سوء التصرف وفقدان أدب دخول البيوت والزيارة من الزائر أو المزو، وبسبب المبالغة في المخالطة التي تلغى معها الخصوصيات.

وحين فقد الناس آداب الزيارة وتدخل بعضهم في شئون بعض وشغلوا مجالسهم بالأمور الصغيرة والقيل والقال ظهرت هذه المشكلات وطرح هذا السؤال نفسه على مسامعنا من المبتلَين بهذه البلوى: أبر أهلي، لكن هذا يتسبب لي في بعض المشاكل العائلية فهل يجوز لي أن أقطعهم؟

ومن وسائل البر كذلك: الاتصال الهاتفي، المساعدة بالمال، المساعدة في شئون الحياة، عيادة المريض، الهدية، قبول الهدية، الابتسامة.

وإذا كانت وسائل البر والصلة بهذه الكثرة والسعة بحيث يتحقق بأدناها إذا تعذر ما فوقها فإنه لا يحل للمسلم ترك البر بالكلية، حتى إذا كان أبواه يسيئان استعمال هذا الحق فيلحق به الضرر، وإنما يرخص له في ترك ما يؤدي إلى الضرر به فإذا ترخص في ترك الزيارة فلا يحل له عدم السؤال عنهما هاتفيا وإذا أدى هذا الثاني إلى الضرر فلا يحل له ترك الدعاء لهما؛ فإن الميسور لا يسقط بالمعسور.

قال ابن أبي جمرة: “تكون صلة الرحم بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء. والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا إنما يستمر إذا كان أهل الرحم أهل استقامة، فإن كانوا كفارا أو فجارا فمقاطعتهم في الله هي صلتهم، بشرط بذل الجهد في وعظهم، ثم إعلامهم إذا أصروا أن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى.”

وهكذا ينبغي على الابن أن يعلم أن البر أعم من الزيارة واعم من العطية وأنه مأمور به ومسئول عنه على قدر طاقته وإمكاناته.

والعاقل يتخير الطريقة المناسبة لبر أهله وإخوانه وصلتهم ولو بالسؤال عنهم من بعيد وترقب أوقات حاجتهم إليه وكذلك بالدعاء لهم وإخباره أنه يحبهم، فالبر لا ينفك عن دين المسلم وأخلاقه ونحن في حاجة إلى نشره وإشاعته بين الناس خصوصا في هذا الزمان الذي ندر فيه البر والأبرار .