تصل إلينا الأخبار بين الحين والآخر عن إلقاء القبض على مجرم متخصص في تزوير الشهادات الجامعية (الليسانس والبكالوريوس والماجستير والدكتوراه) لبعض الجامعات، وشهادات الخبرة في بعض المؤسسات، ويتم الكشف عن ما في حوزته من عشرات الشهادات، وربما قام بذلك الجرم من قبل عشرات المرات لمئات أو آلاف الأشخاص، ونصاب بالصدمة أحيانا حين نكتشف تزوير لقب علمي مرموق يحمله شخص ما مشهور، وأن مستواه العلمي الفعلي وشهاداته الحقيقية أدنى مما يدعى بمراحل كبيرة جدا.

إنه ليس فقط أسلوب الحياة السئ لدى البعض ودليل على تربيتهم غير السليمة وفساد أخلاقهم واعتيادهم على الوصول إلى ما لا يستحقون أو ما يريدون بطرق غير قانونية، وإنما هي أيضا جريمة كبرى في حق الدولة ومنظومة تعليمها والجامعة والكلية وسمعتهم العلمية حين يتم اكتشاف هذا التزوير ولو بعد حين سواء في داخل الدولة أو خارجها، وحين يظهر الفشل العملي وتدني الأداء نتيجة الخواء الداخلي وعدم المعرفة وافتقاد الأساس العلمي، كما أن الله لا يصلح أبدا عمل المفسدين، وهنا تقع جريمة أخرى أكثر إثما في حق هؤلاء المجتهدين والحاصلين على الدرجات العلمية بجهدهم واجتهادهم ومعاناتهم حين يحتل أحيانا أولئك المزورون مكانتهم ويتناولون تزويرا ونفاقا مقاماتهم التي يستحقها هؤلاء المجتهدون، وحين يتركون سمعة سيئة عن اللقب العلمي والمسمى الوظيفي واسم الدولة أو الجامعة عندما يفشلون عاجلا أو آجلا.

وهناك جريمة تزوير وغش مقنعة أشد خطرا وأبقى أثرا وأمدا من جريمة التزوير التقليدية للشهادات والوثائق، إنها المساهمة والمساعدة في إعطاء نجاح مزيف وشهادة ما وربما بأعلى الدرجات وأرقى التقديرات دون علم ودون جهد ودون جد ودون استفادة. فماذا يمكن أن نطلق على أولئك الذين ييسرون ويدعمون وينشرون الغش في الامتحانات في كافة المراحل الدراسية؟ وماذا يمكن أن نطلق على أولئك المتخصصين في عمل وإجراء رسائل الماجستير والدكتوراه وأبحاث الترقيات ومشاريع التخرج لمن يدفع المقابل ولو كان زهيدا لا يستحق بعض هذا العناء؟ وماذا يمكن أن نطلق على أصحاب المجاملات ومراعاة الاعتبارات والمصلحة الشخصية في منح التقديرات والدرجات العلمية المرموقة؟

كل ذلك لابد أن يقود إلى مخرجات تعليمية ضعيفة وسمعة تعليمية رديئة للمؤسسة التعليمية وللدولة في هذا التخصص أو ذلك، فيفقد المجتهدون المجدون ثمرة تفوقهم وربما لا يصلون إلى ما يستحقونه من مكان ومكانة.

كل ذلك وغيره يقود إلى فقدان قيمة الدرجة العلمية وابتذال المسمى العلمي أو الوظيفي. كل هذا يؤدي إلى ظهور أشباه معلمين وأشباه متعلمين وتدني في مستوى الثقافة والفكر والانتاج مما يؤثر بدوره على أجيال قامة وتبدو أثاره السلبية عاجلا وآجلا وربما لفترات طويلة.

إن طبيبا فاشلا أو حاصلا على شهادة لا يستحقها ربما يتسبب في إزهاق روح بضعة أفراد أو عشرات حتى يتم التدخل الرقابي والقانوني لمنعه من الاستمرار في الإضرار بالمزيد. وإن مهندسا أو صانعا يتسبب في خسارة مادية أو بشرية ما بسبب ضعفه العلمي وجموده الفكري حتى يتم إرجاع سبب الخسارة إليه ووقفه عن العمل ومحاسبته بطريقة ما. ولكن ماذا عن المعلم غير المتعلم في مختلف المراحل والمؤسسات التعليمية؟ وماذا عن الواعظ غير المتعظ؟ وماذا عن الكاتب والأديب والإعلامي غير المناسب وغير الأمين وغير العالم العارف والذي لا يحمل رسالة سامية وهدفا مشروعا مقبولا مجتمعيا وأخلاقيا ودينيا؟

لا تبحثوا عن الصفات السيئة لهؤلاء الخائنين أو أؤلئك الظالمين لوطنهم ومجتمعهم ومن حولهم في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد، ولا تبحثوا كثيرا عن الأحكام الفقهية والقانونية أو العرفية لهؤلاء المزيفين أو أولئك المُزيفُ لأجلهم، وإنما تصوروا وابحثوا عن كم ونوع الأثر السلبي لهذا الغش والتزوير والتزييف التعليمي والعلمي بأشكاله التقليدية والحديثة والمُقَنعة وغير المُقَنعة، لكم أن تتصوروا كم الضحالة الفكرية وهشاشة الشخصية وفقدان الرؤية وعدم تحمل المسؤولية واتباع أفكار منحرفة والمضي وراء تعصب أعمى أو عصبيات قبلية جاهلة، لكم أن تتصوروا كم من ملايين البشر وكم من الأجيال يتيهون في براثن الضياع والجهل والسلوكيات السيئة والأخلاق غير الحميدة بسبب أشباه المعلمين أو فساد وتزييف بعض أو كل أركان منظومة التعليم.

التزوير والغش العلمي خطر حقيقي ودمار حتمي يهددنا حاضرا ومستقبلا.. عسانا نتبه ونتوقف قبل فوات الآوان.