دأبت وسائل الإعلام مؤخرا على نشر أخبار الحوادث المتنوعة التي تحدث داخل المجتمع المصري؛ حيث لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع أو نتابع خبر حادثة هنا أو جريمة هناك؛ فالجريمة قديمة قدم البشرية نفسها وهي موجودة في شتى المجتمعات غنيها وفقيرها لا فرق.

كان المصريون يعيشون في الماضي والأمان لم يكن حولهم فقط بل كان داخل نفوسهم.. كانت الأبواب مفتوحة والنوافذ مفتوحة والقلوب مفتوحة .. لا خوف من غريب أو عابر سبيل .. كانت الأخلاق أكثر رقيا والعقول أكثر صفاءًا والنفوس أكثر نقاءا .. الود هو سيد التعامل بين الناس .. والصدق هو مذهبهم .. سوء الظن كان استثناءا والثقة كانت القاعدة ..

إن اللافت في طبيعة الجرائم التي تحدث في المجتمع المصري هي تلك الدرجة العالية من الوحشية والبشاعة التي تحدث؛ فجرائم الاغتصاب استشرت حتى في المجتمعات التقليدية التي عرف عنها تمسكها بالثوابت القيمة والأخلاقية يضاف إلى ذلك جرائم القتل والسرقة والخطف والاختلاس والرشوة والفساد بصوره المتنوعة.

الجديد في الأمر هو تركيز وسائل الإعلام لا سيما الفضائيات على هذه الجرائم حيث تحولت “الاستوديوهات” إلى مواقع للاستجوابات والتحقيقات، فأصبح المذيعون ضباط مباحث ووكلاء نيابة وقضاة في الوقت ذاته؛ وأصبحت أخبار الجريمة تطاردك صباح مساء، ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي وما فيها من شائعات ومبالغات.

كل ذلك إضافة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ساهم فيما يمكن أن نسميه ثقافة الخوف؛ فقد أصبحنا نخاف من كل شئ وفي أي وقت؛ انتشرت السلبية وارتفع شعار “أنا مالي”؛ نشعر بالقلق من مجرد سماع جرس المنزل أو حتى الهاتف؛ نخشى على أبنائنا في مدارسهم وعلى سياراتنا وهي تحت منازلنا؛ نخشى من كل غريب؛ نرتاب في كل شيء ومن كل شيء؛ نتفنن في شراء الأقفال وتركيب الكاميرات؛ نصدق دائما كل ما هو سيء بينما نجد صعوبة في تصديق الأخبار الطيبة.

إن ما وصلنا إليه من شعور بالخوف المزمن امتد كالسرطان ليطال كل ما في حياتنا.. لقد نجحت صناعة الخوف نجاحا باهرا لدرجة أصبحنا فيها نخاف حتى من أنفسنا..