رحلة جمعة سند من قنا إلى أفضل علماء العرب

رحلة جمعة سند من قنا إلى أفضل علماء العرب الأسايطة أثناء اللقاء

توفي والده قبل أن يراه، فعانت والدته في تربيته وتعليمه برفقة أشقاءه الثلاث، لكنها أصرت على استكمال تعليمه، حيث كانت لا تدخر جهدًا رغم قلة الدخل لديها، إلا أنها كان لها نظرة وتوقع خاص لما سيكون، وكأنها تعلم ما سيحل بوليدها مستقبلًا – هل تطلع على غيب وليدها؟! تجزم بأنه سيكون له شأن وإن كانت معطيات الواقع تنافي ذلك.

من هنا لم يستسلم جمعة سند، الطالب الذي جاء من قنا أقصى جنوب الصعيد لدراسة الكيمياء بكلية العلوم جامعة الأزهر بأسيوط؛ لضعف الإمكانيات البحثية، واجتهد حتى حصل على منحة لدراسة الدكتوراة بدولة ماليزيا؛ آخذًا على عاتقه مسؤولية انتقاء الجامعة له كعقلية بحيثة مبدعة ومبتكرة.

أخيرًا بعد مجهود مضني في مجاله البحثي، تمكن “سند” من الحصول على لقب أفضل علماء العرب من الأكاديمية العالمية للعلوم، من أجل النهوض بالعلوم في البلدان النامية للشباب تحت الـ 40 عامًا في عام 2018.

الاستشهادات بأبحاث الدكتور جمعة حتي الآن
الاستشهادات بأبحاث الدكتور جمعة حتى الآن

مُنح الباحث جمعة سند الجائزة مناصفة مع الدكتورة شيماء عنانى بجامعة قناة السويس؛ نظير ابتكاراته العلمية التكنولوجية وتطبيقها في العلوم الطبية، فضلًا عن العديد من الأوسمة والميداليات من ماليزيا وبريطانيا وروسيا، كما نشر 75 بحثًا علميًا في مجلات عالمية، وشارك في نشر 4 كتب متخصصة وبراءات اختراع، وبلغت نسبة الاستشهاد بأبحاثه ما يزيد عن 1023 مرة.

الأولوية

وفي ماليزيا وجد الباحث المصري، الأولوية للعملية التعليمية؛ حيث إن الأجهزة متاحة، غير أن ماليزيا ليست من كبار الدول المتقدمة، لكنها مهتمة كثيرًا بالبحث العلمي وخاصة الهندسي التقني بخلاف الاهتمام العالمي الطبي.

كما أن ماليزيا تنتقي وتركز بشدة على النقط البحثية المطلوبة، فهي تقيم معارض علمية، من خلالها تقوم كل جامعة بعرض النتائج بطريقة تستهدف جميع الفئات، بجانب الشركات التي تختار ما يناسبها للتعاون؛ فهي نقطة تلاقي بين الصناعة والبحث العلمي وهذا ما نفتقده في مصر، كما أن المشاريع القيمة يتم تصنيفها عالميًا؛ فهي نقطة تلاقي للبحث العلمي.

أثناء حصوله على دراسة الدكتوراه
أثناء حصوله على دراسة الدكتوراة

الفرصة

يوضح جمعة أن الفرصة أتيحت له بشكل جيد، كما كان هناك تفرغ كامل للبحث العلمي، مبينًا: “قبل عامين كنت منتهي من الرسالة، ومنتظر فتح النظام لإرسال الرسالة أونلاين لمناقشتها، لهذا أنجزت الرسالة قبل المدة المحددة”.

ويضيف: “هذا يرجع للتأسيس العلمي من البداية في مصر -مرحلة الماجستير-، بجانب القدرة على الكتابة ووضع الفكرة واستغلال الامكانيات وسرد المعلومة، ونشري لأربعة أبحاث قبل السفر لدولة ماليزيا”.

التشجيع

“دعوة مشرفة للزملاء للاقتداء به خلال الاجتماع الشهري الذي يعرض من خلاله كل باحث نتائجه”، تعد من أكثر الأشياء التي كانت تسعده وتدفعه لمواصلة التفوق والتميز.

ويقول “سند”: “كنت رايح جاهز كنت أروح للمشرف وأرجع بعد شهر من المعمل بنتائج مميزة”، خاصة أن أبناء البلد إلى حد ما يعملون بأريحية بخلاف المغتربين، كما أن التعامل كان صداقيًا لقرب السن بينهما، فضلًا عن أنه في بدايته البحثية ويرغب في الانتاج السريع.

الشريك

ساعد الدكتور جمعة في التفوق العلمي كون زوجته بقسم الفيزياء بكلية العلوم جامعة أسيوط، إذ كانت تتفهم طبيعة العمل وقرب التخصص، حيث عملا الماجستير معا بجامعة أسيوط عند نفس المشرف وبعدها تزوجا، وسبقها في السفر إلى دولة ماليزيا بـ 7 شهور ذاق خلالهم مرارة الغربة ولم يفلت من شعور الوحدة وامتلكه شعور العجز والحرمان من رؤية مولوده الأول في اللحظات الأولى في دنياه؛ ولكن زالت الصعوبات، حينما حضرت زوجته وابنه واستقروا جميعًا بماليزيا.

وبدأت زوجته في دراسة الدكتوراه بعده بعام في نفس الجامعة، مما وفر لهما بعض الوقت من حيث الذهاب معًا للمعمل والجامعة، فضلًا عن المشاركة في النقاش العلمي مع توفير قدر من الوقت للتركيز البحثي بالبيت؛ لهذا “لم أبخل عن مساعدتها في تفسير نتائجها وما يخص عملها ورسالتها”، فقد كان البيت أشبه بمعمل أو قاعة نقاش علمي دائم؛ مما أفاد كل منهما عمليًا.

جانب من التكريم
جانب من التكريم

جني الثمار

وجنى الثمار بحصولها على الدكتوراه في تخصص الخلايا الشمسية ونشرت مجموعة أبحاث متميزة منها بحث في مجلة معامل تأثيرها 15 وهذا الرقم لم أصل إليه؛ رغم عدم التقصير في رعايتها لطفليها.

ويذكر سند: من بين المواقف الطريفة بينه وبين زوجه: “كنت أترك الكمبيوتر مفتوحًا فكان عندما يأتي ايميل بقبول أي بحث تطلع عليه وتبلغني هي أولًا عشان أجيبلها هدية طبعًا”، ويذكر من أصعب المواقف التي مرت عليه في غربته ولادة طفلته وكان الوحيد بجوار زوجته؛ نظرا لظروف دراستها وبُعد المسافة للعودة.

متطلبات الجائزة

تطلبت الجائزة أبحاث حول التطبيقات التكنولوجية في الطب ولكن النقطة البحثية لها تطبيق طبي أي بطارية تنظم ضربات القلب، لكن الفكرة تستخدم في الجانب الطبي، كما أن العلوم حاليًا كلها اندمجت في بعضها، وتشترط المادة نفسها يكون لها مواصفات معينة خاصة أنها تتعامل مع جسم الإنسان بحيث لا يكون لها آثار سُمية. 

تقارب الثقافات

لم يتذوق طويلًا مرارة الغربة لتمتع المجتمع الماليزي بالثقافة الإسلامية -معظم الشعب الأصلي مسلم الديانة-، كما أن هناك العرب بكثرة ولهم تراحب ملحوظ خاصة المصريين منهم فلمصر ثقل كبير؛ نظرًا للأزهر الشريف.

ويستطرد: أن الكمال لله فكان من أصعب ما واجهه في رحلته العلمية التي استغرقت 7 سنوات مابين بعثته ومرافقته لزوجه في استكمال دراستها، تتمثل في بُعد المسافة وعدم التأقلم مع الأكل الآسيوي “سبايسي”، رغم توافر الفاكهة طوال العام.

الاجتماعيات

أهمل “سند” تقوية العلاقات الاجتماعية في ماليزيا؛ لإقامته داخل الجامعة، لهذا ينصح الراغبين بالانطلاق في المجتمع لفهم أكثر لثقافة البلد المبعوثين فيه؛ “لم أخذ القدر الكافي لفقد التفاعل عن قرب والاندماج التام في البحث العلمي”.

الأسايطة أثناء اللقاء
الأسايطة أثناء اللقاء

المفاضلة

ومن خلال تجربته العلمية يرشح سند، ماليزيا للباحثات الفتيات لأنها تجربة مفيدة في مجتمع محافظ  بجانب الاهتمام والتقدير الجيد للعلم وأهله، كما أن الطقس ثابت طوال العام  من 28 إلي 30 درجة، قد تكن ميزة أو عيب حسب الشخص إلا أنها لا تحتاج لشراء ملابس شتوية مكلفة  أو استرخاء وتكاسل من شدة البرد أو الحر، كما تتميز ماليزيا بالاهتمام بالبحث العلمي، من خلال وضع شروط للطلاب لا تهاون في تحقيقها؛ نظير الإمكانيات الموجودة وتيسير استغلالها.

وعن المسابقات يقول: كنت متوقع الفوز بجائزة أخرى في مسابقة بحثية مصرية إلا أن النتيجة كانت صادمة وقدمت في مسابقة “تواس” التي فوزت بها دون توقع وكذا لم أُعر لها اهتمامًا -لإصابتي ببعض اليأس- وكانت التقديم أونلاين وعندما وصله إيميل يزف الخبر السار “طلبت من أحد يقراه حتي استوعب وأصدق”.

أثناء تكريم القسم له
أثناء تكريم القسم له

التكريم

يشيد بالتكريم الذي وجده عقب رجوعه من رئيس القسم ونائب رئيس الجامعة ورئيس الجامعة، ويقول: “بكل استعداد أسعى لتوصيل ما لدي لشباب الباحثين مع المواصلة للمسيرة البحثية ويحلم بتوفير معمل يعين على ذلك”.

أثناء تكريم نائب رئيس جامعة الأزهر له
أثناء تكريم نائب رئيس جامعة الأزهر له

ويدعو الجهات المعنية بضرورة تكثيف الاهتمام بالبحث العلمي والمشروعات البحثية، من خلال تمويل أكاديمية البحث العلمية كالحاضنات العلمية “حرام نقف بهذا الشكل”، موضحًا مهما كان لدي الشخص معرفة وفاقد للأمكانيات فلا يوجد ثمار لإثبات التصور من عدمه.

الوسوم