رحلة خطرة إلى المدرسة.. تلاميذ منشأة همام يسيرون على المياه بـ”طشت”

رحلة خطرة إلى المدرسة.. تلاميذ منشأة همام يسيرون على المياه بـ”طشت”

تصوير: أحمد دريم

على حافة جزيرة منشأة همام وسط النيل ترتطم الأمواج، مرسلة قطراتها قبلات على وجه الطفل إسلام، صاحب الـ11 عامًا، قبل أن يدفع بيديه الصغيرتين “طشت صغير” في النهر ليقلّه إلى الضفة الأخرى، ليصل إلى مدرسته.

يستيقظ الطفل إسلام فرغلي، في السادسة صباح كل يوم، ينتظر عند النهر بحثا عن”معدّية” تقله، وإن لم يجد، يجلب مواصلته الخاصة، يقول “بروح أجيب الطشت من البيت وأحطه في الميه وأجدف لغاية ما أوصل وبركنه على الشط وأنا راجع برجع بيه”.

“أنا خايف.. يظل قلبي يدق وينتفض بشدة فمشهد الغرق والموت والأسماك اللي هاتاكلني مشهد بفكر فيه دايما” هكذ يروي الطفل، بينما تتوه عيناه العسلية وتذهب بعيدًا.

طريق محفوف بالمخاطر

“طشت الغسيل والفلوكة” وسيلة طلاب جزيرة منشأة همام للوصول لمدارسهم

جزيرة منشأة، واحدة من الجزر النهرية بمحافظة أسيوط، تقع على مساحة 143 فدانًا، تحتل المساكن مساحة صغيرة منها، بينما تلوح على مسافة 150 مترًا فقط من قرية منشأة همام بالبداري.

وعندما تسير نحو 500 من قرية منشأة همام على طريق ترابي ضيق ملتو يصعد بك مرة ويهبط مرة أخرى وسط الزراعات، تصل إلى مكان انتظار القوارب واللانشات قرب محول كهربائي تحوطه جذوع النخيل المحترقة ثم يحملك “اللانش” الصغير للوصول إليه تنزل من مكان عالٍ وطريق خطر.

هناك ما لا يقل عن 400 طالب بالجزيرة في مراحل تعليمية مختلفة يضطرون لعبور النهر إلى الضفة الأخرى، ويصبح الأمر أكثر خطرًا على الأطفال الصغار.

مع أن البسمة البريئة لا تفتأ تترك وجه الطفل إسلام، إلا أنه يخبئ تراكمات من الضيق الذي يواجهه يوميًا أثناء ذهابه لمدرسته.

يروي: بعد نزولنا من القارب نمشي في طريق ضيق وسط الزراعات، خاوٍ من الناس، وقد تهاجمنا الكلاب الضالة، ونهرول ونصرخ وما من منقذ، “إحنا كرهنا المدرسة أنا بروح يوم وأغيب عشرة”، وبعد خروجنا من المدرسة نقف بالساعات في انتظار قارب للعودة.

فلوكة وطشت

“طشت الغسيل والفلوكة” وسيلة طلاب جزيرة منشأة همام للوصول لمدارسهم

ملك سيد، طفلة في الـ12 من عمرها، تصف رحلتها قائلة: أذهب لمدرستي في الفترة المسائية نركب الفلوكة، ولو ملاقيتش بركب الطشت وأجدف لغاية ما أوصل”، اعتدت الأمر بعد سنوات الخوف.

تتابع ملك: “العيال بتموت بعضها عشان تركب ويزقوا في بعض ويضربوا بعض بالطوب كله عايز يركب الأول وبنقع في المياه أحيانا، وأي حد يعرف يعوم بيجي يطلعنا”، ثم ينهرنا المدرسون على التأخير ويضربوننا، “أنا نفسي أكمل تعليم  بس محدش هنا بيكمل.. نصيبنا كده”.

وفي الوقت الذي تجدف فيه ملك بيديها الصغيريتين، لتصل إلى مدرستها، امتنعنت سلمي، صاحبة الـ8 أعوام، عن المدرسة برأي والدتها التي تقول “أخشى فقدان ابنتي غرقا في النهر، وسأكتفي بإلحاقها بمدرسة الفصل الواحد بالجزيرة”.

وتضم الجزيرة مدرسة واحدة، بها فصل واحد متهالك، بلا إمكانيات، يسع 60 تلميذًا فقط، لذا قُدّر لباقي التلاميذ أن يشقوا طريقهم في قلب المياه صباح كل يوم.

حسن درويش، صياد، يروي: العام الماضي انقلب قارب بكل من فيه “العيال اتقلبت سندتهم الشنط اللي على ضهرهم ولولاها مكناش طولناهم”.

قوارب الصيد تقل التلاميد

طفل يستقل “طشت” ويجدف بيديه ليصل للضفة الأخرى

فصل الشتاء هو أسوأ أيام الدراسة، فالصقيع صباحا والمطر الذي ينهمر في أوقات كثيرة وارتفاع مستوى المياه، كل ذلك من الأمور المخيفة.

“معندناش وسيلة نخرج بيها من الجزيرة ولا العيال تروح بيها المدرسة غير القوارب، ده لو لقى أصلا ولو ملاقاش يبعوم بالطشت”، هكذا يقول فرغلي محمد، فلاح.

يضيف محمد “العيل بيركب الطشت وبيجدف بإيديه حوالي نص كيلو في الميه، والقوارب هي قوارب صيد مملوكة للصيادين، يعنى كل واحد وحظه لو لقى صياد بياخده معاه”.

تنتشر على صفحة المياه قرب الجزيرة نحو 20 قاربا، و5 لانشات تقريبا، ترتفع أصواتها بين وقت وآخر على فترات متباعدة.

يحكي سيد محمد، أحد الأهالي، القارب عرضه 80 سم وطوله 3.5 متر، واللانش أجرته مرتفعة لأنه خاص ولا يمكن للجميع استقلاله فرحلة الذهاب والإياب تكلف 40 جنيها وللطلبة 20 جنيها.

يتابع: منذ فترة رخصت قاربا وخصصته لتوصيل الطلاب “ثواب”، لكن توقفت خشية تحمل مسؤولية غرق طفل- لا قدر الله.

صوت ارتطام الماء بالقارب ومجدافيه، بينما يتأرجح كلما لمسته قدم إنسان، كل ذلك كفيل بإضفاء الرعب على وجوه الأطفال، يقول أحمد علي، مزارع، تلاميذ الجزيرة منهم من يذهب إلى مدارس منشأة همام وبعضهم يذهب إلى مدارس النخيلة في أبوتيج، وجميعنا هنا نعرف بعضنا فيأخذون التلاميذ في طريقهم، والقارب يحمل 8 أطفال، “وممكن العيل يقعد ملطوع على الشط تلات ساعات مستني قارب”.

معندناش بنات تتعلم

“مفيش تعليم للبنات آخرهم تالتة إعدادي ده إن أخدوها”، هكذا كان حديث بعض نساء الجزيرة والذين أكدوا عزوف أطفالهم ذكور وإناث عن التعليم خشية الموت غرقا، منوهين أن نسبة التعليم الجامعي ضعيفة للغاية.

“طشت الغسيل والفلوكة” وسيلة طلاب جزيرة منشأة همام للوصول لمدارسهم

أما حسن عبد الكريم، فكان قوله: “العيال لو ملاقيتش فلوكة ساعات بتعدي بالطشت وغرايق ومرار والناس متلطعة من شرقة وغربة عشان تحرس عيالها دي عيشة مرار”.

تقف على حافة النهر تُطبق على راحتيها في قلق، تصوب نظرتها تجاه البر الشرقي، وعلى وجهها ملامح عبوس وقد عقدت الحاجبين، تقول أم طارق، إن هذا حالها يوميا في رحلة ذهاب ابنتها وعودتها من المدرسة، مؤكدة أن ابنتها أصيبت بكسر في الذراع بعد انقلاب المركب.

تضيف “هو إحنا ملناش نفس نتعلم ونبقي مطمنين على عيالنا زى كل الناس اللي حوالينا؟ البت بتستنى القارب بالساعات وبتوصل البيت ميتة كفرانة من الجوع”.

استمر في تعليمه حتى الصف الثالث الإعدادي، يستيقظ كل صباح ويخرج لمدرسته ينتظر القارب بالساعات، يأتي القارب ويتحرك ثم ينقلب ويسقط، تتشبع كتبه بالماء، يصل متأخرا فينهره معلموه لتأخره ولحال كتبه الممزقة.

يدق جرس الحصة الأخيرة وهو لم يستوعب حرفا واحدا فيحمل حقيبته وأوجاع يومه ويزداد كرها للمدرسة، ثم يقف ساعات أخرى  بانتظار قارب يحمله لبيته، وقد يصل القارب في أذان العشاء، هكذا تروى أم محمد، عن ابنها الذي غاب منذ عامين ولا أحد يعرف طريقه.

تقول: كره نفسه وقرر ألا يُكمل تعليمه فنهره أهله وأجبروه على الاستمرار، دُمرت نفسيته، جراء “والبهدلة” التي يتجرعها كل يوم، ففر هاربا من الجزيرة.

“طشت الغسيل والفلوكة” وسيلة طلاب جزيرة منشأة همام للوصول لمدارسهم

إنها الرابعة والنصف عصرا، بدأ التلاميذ يتحمعون على حافة البر الشرقي، وحركة غريبة بدأت تدب في الجزيرة.. أجواء قلق وملامح ترقب على الوجوه.. بعضهم يجلس القرفصاء على حافة المياه.

في المقابل، سيدات يُخرِجن براد الشاي المغلي للجمع بالخارج، ورغم غرابة الأجواء إلا أنها أصبحت طقس يومي.

مراكب الصيد بدأت نقل الصغار، وأصوات الأهالي تتعالى تتعالى “متنطش ياد.. يا ولدي حاسب تقع في البحر”، وبالطبع صوتهم لا يصل للصغار.

يقول عبد الناصر عبد الوهاب، تاجر مواشي، مع أذان عصر كل يوم نبدأ نوبات المراقبة، ننتظر موعد قدوم أبنائنا خشية غرق أي قارب.

غابت الشمس ومازال الأطفال ينتشرون على حافة الجانب الآخر، لحظات انتظار قاسية، لكنهم يهزمونها باللعب وتبادل الضحكات بل إنهم صاروا “جدافين” مهرة يحترفون قيادة الفلوكة والعوم بيدين فارغتين.

رئيس مركز المدينة: الأمر يحتاج لدراسة!

“طشت الغسيل والفلوكة” وسيلة طلاب جزيرة منشأة همام للوصول لمدارسهم

يتقن الأهالي السباحة، لذا ما إن يلمح أحدهم قاربا ينهار أو طشت يغرق إلا ويلقي بنفسه في النهر، ليقدم واجب الإنقاذ، ويطالب الأهالي بإنشاء كوبري على النيل أو توفير معدية تُنهي مأساة “الطشت والفلوكة”.

بالتواصل مع أيمن محروس، رئيس مركز ومدينة البداري، قال إنه يعتزم إجراء معاينة للأمر ودراسته على الطبيعة للوقوف على ما يمكن فعله، لكنه لم يصدر أي قرار آخر.

أما مديح عمار، عضو مجلس النواب عن دائرة البداري وساحل سليم، فكان له نفس الرأي بأنه سيتم دراسة الأمر ومعاينة المكان على الطبيعة مع الجهات المعنية ثم التواصل مع جميع الجهات المختصة للتوصل إلى ما يمكن فعله إزاء هذا الشأن.

“طشت الغسيل والفلوكة” وسيلة طلاب جزيرة منشأة همام للوصول لمدارسهم
الوسوم