رحلة علاج ثمنها الحياة.. أهالي نجع مير بالقوصية ضحايا غياب الخدمات الصحية

رحلة علاج ثمنها الحياة.. أهالي نجع مير بالقوصية ضحايا غياب الخدمات الصحية جلسة حديث لأهالي نجع مير
تصوير- أحمد دريم

قرابة الساعة تفصل نجع مير عن مدينة القوصية، ذلك النجع مُعدم الخدمات فلا وحدة صحية ولا مخبز ولا مواصلات وحتى المياه لا تصل لأغلب الأماكن، ولتحصل على “بجنيه عيش” تستقل مواصلة تكلفتها أكثر من 25 جنيهًا.

ورغم افتقار أهل النجع لأهم الخدمات الحيوية، إلا أن عدم وجود وحدة صحية هو كابوسهم الأكبر الذي يحلمون بالخلاص منه.

مأساة

رحلة الوصول إلى النجع من مدينة أسيوط لم تكن سهلة، فرغم أنه أحد نجوع القوصية إلا أنه الأقرب لمركز ديروط، ومن هناك تستقل مواصلة أخرى للوصول إلى النجع في طريق مرهق وسط الزراعات ومليء بالحفر.

حكايات الأهالي مع رحلة تلقي العلاج خارج حدود النجع يمكن أن تعبء كتابا من الحواديت المرعبة، كان أكثرها قسوة حكاية مصطفى سليم، فلاح، الأب الذي فقد أربعة من عائلته في رحلة إلى مستشفى القوصية.

منذ عامين مضوا ومع دقات الثامنة مساء باغتت ابنته صاحبة العشرين عاما آلام الوضع على أرض النجع الذي لا يوجد به وحدة صحية خاصة بهم، والوحدة الصحية التي يتلقون بها العلاج بقرية مير لا تعمل ليلا وعلى بعد عدة كيلو مترات من النجع، يقدرها بالعشرة، ولا توجد وسائل مواصلات للخروج من النجع مظلم الطرقات طبقًا لرواية الأب المكلوم.

مصطفى سليم أحد أبناء النجع
مصطفى سليم، فقد أبناءه خلال رحلة لتلقي العلاج بالقوصية

آلام الوضع تفتك بالإبنة الحامل والتي مازالت طفلتها الأولى في عمر الزهور، ولم يجدوا أمامهم وسيلة سوى استقلال “تروسيكل” صعد إليه أربعة أرواح الأم الحامل بجنينها وطفلتها والأخت الكبرى إبنة العشرينات أيضًا، سارت بهم عجلات التروسيكل صوب مستشفى القوصية المركزي ومع كل لحظة تمر تزيد آلام الأم الشابة ولا يمنحها الصبر سوى أملها في الوصول للمشفى وإنهاء آلامها، ولكن فجأة اصطدم التروسيكل بسيارة نقل دهست كل من فيه حتى ذاك الطفل البريء الذي ما رأت عيناه شمس الدنيا وكان مصيره تلك النهاية البشعة.

الدموع لم تفارق أعين مصطفى طيلة حديثه، ولكنها دمعات مختبئة تظهر في نبرة صوته وخاصة حينما نطقها “الأربعة ماتوا ربنا يصبرني ويصبر قلب أمهم”، معلقًا: لو كان هناك وحدة صحية بالنجع وبها من هو مؤهل للتوليد لكانت وضعت بها ابنتي وما كنت حملت نعوش فلذات كبدي ودفنتهم بيدي ولكن قضاء الله.

مصطفى سليم أمام منزله بالنجع
مصطفى سليم أمام منزله بالنجع

مآسي مصطفى وغيره بسبب غياب الخدمات الصحية بالقرية لا تنتهي، فمنذ فترة قريبة لدغ زوجته عقرب فتولى هو علاجها بنفسه “شرطت رجلها بالموس فضيت الدم اللي فيه السم”، وبعد إسعافها بالطرق البدائية هرول باحثا عن سيارة ولأنه يعرف أن الأمر قد يستغرق ساعات في البحث عن مواصلة خاصة قرر إسعافها بنفسه، “لقيت عربية بعد 10 ساعات”، وهرولوا إلى وحدة صحية بنجع خضر التابعة لمركز ديروط لأنها الأقرب منهم وتكبد دفع مبلغ 50 جنيهًا للسيارة.

بعيدة

صفحة جديدة من معاناة الأهالي يرويها جمال عبدالناصر، مزارع، يقول: الوحدة الصحية بقرية مير تبعد عن النجع حوالي 10 كم، ولا يوجد مواصلات ونضطر لاستقلال مواصلة خاصة إما سيارة ربع نقل غير آدمية فتلك المواصلة مخصصة في الأساس لنقل الحيوانات والجماد لا البشر، أو نستقل  توك توك أو تروسيكل، وأجرة السيارة حوالي 80 جنيهًا، ولو انتظرتنا يزيد الأجر إلى 100 جنيه، ولو تأخر المريض عند الطبيب بمدينة القوصية يزيد المبلغ إلى 170 أو 200 جنيه “طب الغلاب يجيبوا منين؟”.

جمال عبدالناصر من أبناء النجع
جمال عبدالناصر، من أبناء النجع

يتابع عبدالناصر حديثه: “إحنا مش على الخريطة خالص حتى تصريح الدفن يقولوا طلعوه من عرب الجهمة”، وتكلفة المواصلة الخاصة إليها تكلفنا 250 جنيهًا.

يلتقط حمد جمال، سائق، أطراف الحديث من جمال مؤكدا على حديثه: “قعدنا من ستة الصبح لحد بعد الضهر على بال ما طلنا تصريح الدفن”، ذهبنا إلى الوحدة الصحية بمير فقالوا اذهبوا إلى الوحدة الصحية بعرب الجهمة وهي بعيدة عنا جدا، “على بال ما تطلع تصريح الدفن تكون الناس اللي مستنية الجنازة ملت ومشيت”.

يستأنف جمال حديثه: أمتلك سيارة ولكني توقفت عن العمل بها بالقرية “لو جالي حد وقالي تعالى طلعني مشوار بالليل مش هطلع، الطريق وحشة وضلمة ومكسرة، وخوفا على سيارتي اشتريت تروسيكل، عشان لو حد تعب بالليل أطلع بيه وركنت العربية”، صار التروسيكل وسيلتي ووسيلة الراغبين في الوصول لمكان تلقي العلاج من مرضى أهل النجع فليس أمامنا حل آخر.

حمد جمال
حمد جمال- من أهالي نجع مير

معاناة

نساء القرية يتكبدن معاناة إضافية بأطفالهن، تشرح هبه غالب، ربة منزل، الوضع الذي عاشته مع كثيرات مثلها:  “بنروح مير عشان تطعميات الأطفال والحمل وبندفع 100 جنيه للعربية عشان بس نروح ناخد التطعيم”، وإن لم نجد وسيلة نستقلها أو ثمن مواصلة خاصة نسير على أقدامنا حتى مكان الوحدة الصحية، “حقاش يكون يوم سوق تلات أو خميس هي دي الأيام بس اللي بيكون فيها مواصلات، غير كده بناخدها مشي حتى لو على كتفنا عيل”.

تستكمل هبة: كلما تعبنا من طول الطريق نمشي فترة ثم نأخذ هدنة ونجلس فترة، ونكرر ذلك مرارا حتى نصل إلى الوحدة، ومهما كان مدى تعبنا فلن يكون كتعب وإجهاد أطفال صغار حديثي الولادة نسير بهم كل هذا الكيلومترات تحت لهيب الشمس في الصيف وفي صقيع الشتاء، “العيال بتتعب”.

تُكمل هبه رصد حكايات النجع المؤلمة: “واحد قرصه حنش ومات ملحقناش نسعفه”، فلم يكن سم الثعبان رحيما بابن القرية الشاب ولم يمنح أهله الفرصة الكافية للبحث عن وسيلة مواصلات والفرار بها إلى أي مكان فاختطف روحه وانتهت قصته كقصص آخرين غيره.

قطعة أرض

أجمع الأهالي في حديثهم على أن هناك قطعة أرض مخصصة منذ سنوات لبناء وحدة صحية للنجع، ولكن لا أحد يعلم سبب التوقف عن الإنشاء.

بمناقشة الأمر مع محمد عبدالحميد، رئيس الوحدة المحلية بمير، جاء رده: هناك قطعة أرض مخصصة لبناء الوحدة الصحية وتم رفع المساحة وتسليمها للإدارة الصحية بالقوصية من حوالي ثلاث سنوات، والوحدة الصحية بمير لا تبعد عن النجع 10 كم بل إن المسافة بينهما حوالي 2 كيلو، كما أن هناك وحدة صحية قريبة منهم تخدمهم في نجع حسن تبعد عنهم كيلو فقط.

نزاع

إلى مديرية الصحة والسكان بأسيوط للبحث عن مصير قطعة الأرض التي تم تسليمها، ليرد الدكتور أسامة حجازي، وكيل المديرية، بأن قطعة الأرض كان عليها خلاف ونزاعات من أهالي فتوقف العمل بها لوجود مشكلات على الملكية، والوزارة حولت التمويل المُعتمد للوحدة الصحية بالنجع لإنشاء وحدة صحية أخرى بمكان آخر، والحل للمشكلة هو أن يتم إنهاء الخلافات والنزاعات الدائرة على قطعة الأرض المُخصصة وتسلمينا قطعة الأرض بلا أي منازعات عليها نهائيا، وبعدها سنخاطب وزارة الصحة لاعتماد تمويل جديد وبناء الوحدة الصحية للنجع.

اقرأ أيضًا:

في نجع مير بالقوصية.. انقطاع المياه منذ 5 سنوات والأهالي يلجؤون للطلمبات الحبشية

الوسوم