ولاد البلد

رفض التنعم في مال والده.. من بائع عصير إلى أستاذ جامعي

رفض التنعم في مال والده.. من بائع عصير إلى أستاذ جامعي الدكتور علي نور الدين علي

عشر سنوات قضاها محاربا لتحقيق حلمه، لم تثنه عثرات الطريق ولا عداءات بعض البشر ولا خيبات الأمل، ليصبح بائع العصير أستاذا جامعيا بكلية التربية الرياضية.

إنه علي نور الدين، ٣٣ عاما، ابن منطقة الوليدية، الذي لم تخلو قصته من كل شئ، وإلى البداية.

الدكتور علي نور الدين
الدكتور علي نور الدين
البداية

كان حلمه الالتحاق بكلية الهندسة، لكن فصله عنها 4% فقط، وكانت الصفعة الأولى ولكنه رضي بقدره وقرر تحويل مسار حلمه، ورشحه التنسيق لكلية آداب قسم آثار، ولكن كان لوالده رأي آخر.

والد “علي” هو أيقونة وتميمة النجاح بحياته، فمشوراته هي سر ما وصل إليه علي اليوم، فأشار عليه بدخول تربية رياضية أو زراعة بهدف أن يصير معيدا، وكان علي يمارس الرياضة منذ الطفولة وفي الثانوية العامة تعمق وحصل على بطولات وبخاصة في كرة اليد و”التايكوندو” اللعبة التي ستكون سر ارتقائه لمناصبه.

تخرج “علي” من كلية التربية الرياضية وترتيبه الرابع على الدفعة بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف، واختار تخصصا طُبق وقتها لأول مرة وهو تدريب رياضي والتخصص الدقيق تايكوندو، على أمل أنه جديد وسيمنحه فرصة أكبر ليكون معيدا، ولكن اكتفت الكلية بترتيب الأول والثاني على الدفعة فقط.

حزن علي وفكر في السفر لدولة أوروبية وخالفه والده الرأي، ورغم أن والده ميسور الحال إلا أنه عصاميا صمم أن يكون ماله من تعبه وهذا ما غرسه فيه والده.

سافر علي للعمل في الغردقة في مجال دراسة التدليك والمساج، وإذ بوالده ذات يوم يحدثه هاتفيا قائلا “مبروك اتقبلت في وظيفة التربية والتعليم” وكان قد قدم له في المسابقة.

وفي الحقيقة لم يكن ذلك من أحلام علي، إذ كان العائد المادي في الغردقة مجزيا فرفض، ولكن والده حزن فانصاع لرغبة والده وتسلم العمل بقرية منقباد في 2009 بأجر 313 جنيها.

عمله في التدليك والمساج
عمله في التدليك والمساج

كان مبدأ علي “طول ما استلمت شغل وارتضيت بالأجر عليك العمل”، فأخلص في عمله، ولزيادة دخله، عمل في المساء بمركز علاج طبيعي لدى أحد أطباء العظام، ثم في مجال المبيعات بشركة تكييفات خاصة بأبناء عمه.

وإذ بوالده يقترح عليه استكمال الماجستير فربما يطلبون معيدين بأي جامعة، وكان علي يذهب للمدرسة في الصباح ويدرس الماجستير بعد الظهر، ثم شركة التكييفات في المساء، ثم ترك التكييفات وعمل مدخل بيانات بأحد مشروعات مصر الخير براتب مجزِ.

الإعلان

تحسنت أحوال علي المادية وارتبط بشريكة عمره التي أطلق عليها “وش الرزق”، وفي العام 2012 حصل على الماجستير، وإذ بجامعة المنيا تعلن عن حاجتها لمعيدين فدب بداخله أمل جديد، وإذ بـ”مصر الخير” تُنهى مشروعها فعاد إلى مجال التكييفات ثانية وقضى أيامه منتظرا نتيجة جامعة المنيا.

“مبروك يا علي كنت في لجنة الفرز وإنت الأول بس متقولش لحد لغاية ظهور النتيجة”، كانت مكالمة الدكتور المشرف وكان أسعد خبر سمعه وعاش منتظرا النتيجة، ولكن طالت أيام الانتظار، ليأتيه قرار الرفض مجددا.

“والله يا علي مش عارف أقول لك إيه بس إطلع على أقرب محكمة وشوف محامي عشان شالوا إسمك وحطوا إسم اللي بعدك”، وعلق علي: “كانت أكبر خبطة في دماغي”.

ضاع حلمه للمرة الثانية وفقد دخله الأكبر وزوجته حامل، وهناك مصروفات قضية يسعى فيها لاستراد حقه. وإذ بوالده يحاول إقناعه بعمل دكتوراة حتى لا يكون متأخرا في حال كسب القضية قائلا “أنا موجود متعولش هم”، ولكنه كان عصاميا فصمم على مبدأه.

بائع عصير

فرصة عمل غيرت مسار علي اقترحها صديق له يعمل بقسم المبيعات بشركة عصائر وألبان وهي الشراء من الشركة بمبلغ 20ألف جنيه عصائر ليتمتع بنسبة الخصم فاستعار المبلغ من والده، وبدأ في التوزيع لحسابه بالوليدية مستخدما سيارة والده ودراجته البخارية وحصّل 45 ألف جنيه في الشهر الأول بصافي ربح 4000 جنيه،  وفي كل شهر تزداد المبيعات فلفت أنظار الشركة فمنحته هدية تروسيكل للتوزيع ويكون على ذمة التوزيع، وعن هذا يقول، “أنا عملت أجدع فلوس من مشروع العصير وحتى هذه اللحظة معملتش فلوس زيها”.

علي أثناء توزيع العصير
علي أثناء توزيع العصير
الانتصار

بدأت رحلة الأخبار السارة، بعد أن حدثه موجه المادة قائلا “أنا عايزك في أسيوط شغلك عاجبني” لينتقل للمدينة، ثم أعلنت جامعة الوادي الجديد عن حاجتها لمدرس مساعد تايكوندو فتقدم إليها.

وفي التاسع من نوفمبر 2014 استيقظ “علي” على هاتف المحامي “ألف مبروك كسبت القضية” فسجد لله باكيا.

خمس سنوات قضاها علي كمدرس وثلاث سنوات موزع عصير وآن الأوان لتسلم عمله بالمنيا وترك إدارة العصير لابن عمه وصار شريكا معه.

الحكم الصادر بأحقيته
الحكم الصادر بأحقيته

وبعد 15 يوما حدثّه والده أنه قُبل بجامعة الوادي الجديد، واختار الاستمرار بالمنيا حتى يمكنه النقل منها لأسيوط.

ومازال علي مستمرا في الدكتوراة وسجل فيها نقطة بحث حصل فيها على براءة اختراع، عبارة عن “روبوت” وذلك تخت إشراف كلية هندسة وهو جهاز يستخدم كوسيلة تدريب.

صورة للروبوت الذي اخترعه
صورة للروبوت الذي اخترعه
صدام

حصل “علي” على الدكتوراة في 2017 وهو في سن التاسعة والعشرين وتقدم بأوراقه للترقي وإذ بالعميد يرفض قائلا، “إنت جايلي بقضية وفاكر إنى هارقيك؟ الدكتوراة دي بلها واشرب ميتها ارفع قضية وهتكسبها بس هكون عملت اللى عايزه وأخرّتك في ترقيتك وعملت اللي دماغي، فاكر في سنك ده تيجى تاخد الدكتوراة وتسبق كل الموجودين هنا”.

أثناء مناقشة الدكتوراة
أثناء مناقشة الدكتوراة

ورفع علي القضية وبدأ يسعى للمجيئ لأسيوط وأتيحت له الفرصة، وجاء لأسيوط وتمت ترقيته بالفعل بأسيوط في 2018.

جاءت لحظة مغادرة الكلية بالمنيا بعد خمس سنوات فنظر إليه العميد قائلا “بص أنا خسرتك.. كشغل انت مليكش حل، بس انت كان فيك عيب واحد انك جاى بقضية يعنى جاي بلوي الدراع وده مبدأ صعب وكان صعب إننا نسيبك”.

تحققت أحلام علي ومرت السنوات وعاد إليه صديقه صاحب فكرة مشروع العصير بفكرة استغلال قدراته في المساج والعلاج الطبيعي وبالفعل دشن علي أول SPA  في أسيوط ومازال الوحيد.

أخيرا يوجه علي رسائل لكل الشباب بعد رحلة كفاحه بقول فيها:

-إياك واليأس عامل ربنا والرزق بيجيى من عند ربنا مش من عند بشر، وطالما لديك الإيمان ستخطو كل العقبات وستتقبل الصعوبات بصدر رحب.

-كنت أوزع عصير ومعي ماجستير وناس تقولي إيه يا دكتور؟ وكنت فخورا بنفسي، واليوم حققت حلمي ودشنت كتابا لمادتي فلا أحد يدرسها غيري في أسيوط ومن بني سويف إلى أسيوط لا يوجد غيري في هذا التخصص الدقيق “التايكوندو”.

صورة للشهادات الحاصل عليها
صورة للشهادات الحاصل عليها
الوسوم